مقاطع من روايتى الأولى” الصبى المضئ “
كتبهامحمد زهران ، في 16 أبريل 2009 الساعة: 18:51 م
الصبى المضئ
رواية
محمد عبد المنعم زهران
مفتتح ..
…. قبل أن تتخلق الأبدان بألفى عام إلا تسعة ..
قالت أرواح الحكماء لروح صبى يدعى عبد القادر
تبتسم ابتساماً لطيفاً ..
: لأى شئٍ جليلٍ تكون ..؟!
وكانت روح الصبى صامتة ، بثغر باسم
يتألق نضارة ونقاء ..
فدفعت أرواح الحكماء إليه برمح حاد وطويــــل
: تَعلَّم ما سيكون ..
تَعلَّم .. أنه دون رمح ستبكى ..!
فبكى .
وقالوا لهذا أتى ..
بعد واحد وثلاثين عاماً وقف " صادق " الشيخ العجوز فى المكان الذى تمنى دائماً ، وبالوضعية ذاتها التى رسمها فى دماغه آلاف المرات خلف باب الحجرة المغلق ، مترقباً صراخ زوجه العجوز وهى فى محاولات مستميتة لإخراج طفلهما الأول من أحشائها الضعيفة .
هذا الولد الذى أخبرته مئات الرؤى به ، فضلاً عن أصوات غامضة كانت تضغط على أذنه مقررة بكل وضوح : لقد اقترب اليوم …
الشيخ صادق فى وقفته المتوترة أخذ يسترجع مراراً كل الأحداث التى مرت منذ زواجه .. كان ذلك قبل واحد وثلاثين عاماً فى ليلة اختفى فيها القمر ، وأُضيئت القرية الصغيرة بمئات من اللمبات الملونة ، كان شاباً بجلباب أبيض وعمامة خضراء ، يضئ فى وجهه الأبيض شاربان شديدا السواد .
كان العرس يوافق الذكرى الخامسة لتأميم قناة السويس وتحقيق النصر الحاسم على العدوان الثلاثى الغاشم كما كان يتحدث الناس الطيبون . احتفلت القرية بصادق الذى كان من الخلصاء الطيبين ومن نسلٍ صالحٍ عُرف بتدينه وورعه وارتباطه الوثيق بمشايخ الطرق الصوفية التى كان الناس يكنون لهم كل احترام وتوقير .
إلى جانب ذلك وبجوار اعتبارات احتفال الأمة بهذه المناسبات الوطنية العظيمة ، كان صادق يشبه " عبد الناصر " بطريقة أو بأخرى ، ساعد على ذلك اعتياده تهذيب شاربَيْه – جريا على عادة الشباب فى هذا الوقت – ليماثل الشكل الأسطورى لشاربَى عبد الناصر .
.. فى هذه الليلة امتطى حصاناً استأجروه من قرية مجاورة ، وطافوا به القرية وكانت النسوة فوق أسطح البيوت يلقين بالحلوى والحمص الشامى فوق الرؤوس ، وفى الساحة الكبيرة بالقرية توافد أمهر الراقصين بالعصا من كل القرى المجاورة ، وتوزعت حلقات التحطيب والمبارزة بين الشباب والرجال والعجائز .
استمرت الاحتفالات من الظهيرة حتى عقب صلاة المغرب ، عندما توجه صادق على حصانه إلى قرية العمرانية ليحضر عروسه . وهناك بدأ فاصل جديد من الرقص والأغانى والولائم احتفالاً بالزفاف ، ووزع الصبية أكواب الماء المحلى بالسكر على الحشد الكبير من أهالى القريتين ، وفى النهاية وكما هو معتاد غادرت العروس بصحبة زوجها ، ولأن الوقت كان قد تأخر ، فقد استعاد صاحب الحصان حصانه ، فاضطر صادق إلى أن يحمل زوجه على حمار ويسير بجوارها على الطريق المترب بين القريتين ، وحولهما الأصدقاء والأهل، يصفقون ويعاودون الضرب على الدفوف وينشدون أغانى العرس كل وقت . وحين يهدهم التعب يكفون موفرين طاقاتهم إلى لحظة دخول القرية .
لنترك الآن الشيخ صادق مستعيداً الصور المتعاقبة لعرسه الذى لا يُنسى ، ولننظر قليلاً إلى يده التى امتدت إلى محفظته وأخرجت صورته وزوجه التى تلد الآن فى الغرفة . هذه الزوج الطيبة التى يعلم يقيناً أنها ستموت فور ولادة عبد القادر ، كان يقيناً يماثل يقينه بأنه لم يختر هذا الاسم ، وإنما سمعه فى وشوشات عديدة كانت ترف على أذنيه منذ أن زُفت إليه عروسه ، هذه الوشوشات التى باتت أكثر وضوحاً من لحظة أن حمل البشير إليه نبأ وجود " عبد القادر " فى رحم الأم .
ولتكون الصورة أوضح قليلاً وقد قررنا الآن أن نفتح هذا الملف على مصراعيه ، وأن نتحدث بصورة دقيقة عن هذا الطفل الذى انتظره أهل القرية طيلة واحد وثلاثين عاماً ، انتظروه باسمه وصفته ، وإذا كان الأجداد الذين يحترمون النبوءات قد فارق أغلبهم الحياة الآن فى القرية ، فرغم ذلك ظل الأبناء والأحفاد ينادون الشيخ صادق بأبى عبد القادر دون أن يكون له ولد .
قد يقرر قارئو الروايات المحترفين أن هذا محض تقديم عجائبى لود مبروك ، لكن الحقيقة أنه كان مشئوماً فى نظر العالم وكل من التقاه ، وأنه كان مكروراً ومتعدداً بحيث لم يعرف أحد أيهم كان عبد القادر الأصل وأيهم تلك النسخ الكربونية التى ظلت الحكومات والأجهزة الأمنية المختلفة فى أماكن عديدة من العالم تطارد وجوههم لأيام طويلة ، تقتل من تقتل وتذبح وتحبس من تشاء ، ولكنه يظل موجوداً يتكرر على الدوام وكأن هناك مكاناً سرياً يتولى مهمة الخروج المتوالى لعبد القادر الذى بدا فى نهاية الأمر كورق متعاقب يندفع من مطبعة .
لنعد الآن إلى الشيخ صادق واقفاً جوار الباب المغلق ، معاوداً تأمل ذكريات عرسه بجلبابه الأخضر وعمامته البيضاء الحريرية عندما دخل على زوجه فى ليلة العرس ..
وقال بصوت حييّ :
" مبروك يا أم عبد القادر "
فابتسمت الزوجة تلك الابتسامة التى قادته إليها .. ابتسامة سيرثها عبد القادر ونسخه المتكررة ، ابتسامة بريئة ونافذة ترشق الفرح فى وجه من يراها . هذه الابتسامة التى سنراها على وجهها بعد قليل وهى تموت سعيدة وغاضبة فى مشهد حلمى شاهده الشيخ صادق مراراً فى رؤاه المتعاقبة .
نعود إلى الشيخ صادق واقفاً بجوار باب غرفة النوم المنقوش بصور طيور بيضاء وخضراء ونراه يرهف السمع . الآخرون فى كل الحارات المتلاصقة فى القرية الصغيرة كانوا أيضا يرهفون السمع ليرقبوا أول انطلاقة لصوت عبد القادر ، كانت النسوة يجلسن على عتبات البيوت وهن يرمقن صامتات بيت الشيخ ، والرجال يتحركون جيئة وذهاباً وأصحاب الدكاكين الذين كانوا يهمسون لزبائنهم أن الحاجة " سعاد " تلد الآن . وحدهم الأطفال الذين كانوا يلعبون الكرة فى الشارع كانوا لا يأبهون ، يلعبون فى صمت مطبق فرضه الأهل الذين يترقبون .
كان الشيخ يرهف السمع دون أن يجرؤ على الدخول ، وعندما غامت السماء واختفت الشمس ابتسم وجهه قليلاً ، وتأمل الحارة التى بدت كظل رجل ضخم .
انطلق أول صوت من الحجرة ، كان صوت صرخة الأم العجوز فأطبق الصمت ، ووجمت الكرة بين أقدام الأطفال الذين لا يفهمون ، كان صراخاً مدوّخاً ومنوماً فى لذة زغاريد ، فى هذه اللحظة لم يكن لأحد أن يتصور ردة فعل الأمهات فى البيوت كأنما صدرت الصرخات من أفواههن جميعاً . الشيخ صادق الذى لم يدهشه الصوت كان واقفاً يتطلع عبر النافذة ، شرد طويلاً كأنما يسترجع كتاباً أعاد قراءته لمرات .. كان يتمتم لنفسه :
" آه .. غابت الشمس الآن يا شيخ صادق .. وماذا بعد ؟ "
كان الشيخ من أقطاب الصوفية ، ورغم ذلك كان من هؤلاء الذين رفضوا الطقوس الفلكلورية التى وسمت الصوفية وأخرجتها من باب مدرسة الزهد إلى آفاق بعيدة كل البعد عن أهدافها ونبالتها ، لذا لم يكن مرغوباً فى تواجده . انخرط الشيخ فى منهج خطه لنفسه ، حفظ القرأن عن ظهر قلب ، ثم غاص فى آلاف الكتب التى ملأ بها حجرة متسعة بالبيت ، كانت تعد خلوته الأثيرة ، حيث يقيم صلاة الليل منخرطاً فى بكاء وإخبات .
<p class=”MsoNormal%
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































































