" السهرة " قصة : خوليو كورتاثر
صدر عن دار ميريت للنشر بالقاهرة ترجمة عربية لمجموعة "هنا والآن" القصصية للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثر".
ويعتبر كورتاثر 1984( - 1914 ) من أهم كتاب القصة القصيرة في أمريكا اللاتينية بل وفي العالم كله. وقد ولد كورتاثر وفقاً لجريدة "الدستور" الأردنية عام 1914 في بروكسل من أبوين أرجنتينيين وعاش في الارجنتين ثم انتقل عام 1951 إلى فرنسا ليعيش هناك حتى رحيله عام ,1984 ومن أهم أعماله "الاسلحة السرية" و"مراقد" و"نهاية اللعبة" و"نحن نحب جليندا كثيرا" "حول اليوم في ثمانين عاما" و"الجوائز" و"لعبة الحجلة" و"كل النيران النار".
و"هنا والآن" هو رابع كتاب لكورتاثار يصدر باللغة العربية بعد صدور"كل النيران النار" و"لعبة الحجلة" و"نهاية اللعبة". وترجمت الكتاب الدكتورة عبير عبد الحافظ المحرر بوكالة الأنباء الأسبانية ومدرس الأدب الأسباني بجامعة القاهرة وهي متخصصة في نقد الرواية وأدب أمريكا.
السهرة
<!–Title1
–>
|
قصة: خوليو كورتاثر
<!–Introduction
–>الزمن، طفل يلهو ويحرك البشر
هيراكليت الفقرة 59
خطاب من الدكتور فيدريكو مورايس .
بوينوس أيرس ،الثلاثاء 15يوليو 1958
السيد ألبرتو روخاس
لوبوس ، ف.ث.ن.ج.ر.
صديقي العزيز:
كعادتي في مثل هذا الوقت من العام تغمرني رغبة عارمة في العودة إلي لقاء الأصدقاء القدامي، شديدي البعد بفعل آلاف الأسباب التي راحت الحياة رويدا رويدا تجبرنا علي الخضوع لها. أعتقد أنك أنت أيضا تشعر بمثل هذا الحنين الرقيق لجلسة سمر كنا فيها نتوهم أن الزمن لم يبلينا بعد وكأن الذكريات المشتركة تعيد إلينا ولو لبرهة نضرة الشباب المفقود.
بطبيعة الحال أنا أعتمد عليك في المقام الأول وأرسل إليك هذه السطور قبل اللقاء بوقت كاف حتي تتخذ قرارك بمغادرة مزرعتك لوبوس حيث حديقة الورد والمكتبة يحظيان بقدر من الجاذبية لديك يفوق كل جاذبية بوينوس أيرس بأسرها. فهي تشجع واقبل هذه التضحية المزدوجة بركوب القطار وتحمل ضجيج العاصمة. سنتناول طعام العشاء في منزلي ،كالسنين الخوالي، وسنكون الأصدقاء الذين اعتدنا أن نكون باستثناء … ولكن قبل ذلك أود لو حددت التاريخ بدقة مسبقا حتي تعتاد الفكرة، ها أنت تري أنني أعرفه وأنني أعمل علي تهيئة المضمار استراتيجيا .ولنقول، حينئذي، ال…
خطاب من الدكتور ألبرتو روخاس
لوبوس ،14 من يوليو 1958.
السيد فيدريكو مورايس
بوينوس أيرس .
صديقي العزيز:
ربما يدهشك أن تتسلم هذه السطور بعد سويعات قليلة من لقائنا اللطيف في منزلك ،بيد أن واقعة حدثت أثناء السهرة أثارتني لدرجة وجدت معها أنه يتعين عليٌ أن أفضي إليك بقلقي. أنت تعرف أنني أمقت الهاتف وأنني لست أيضا مولعا بالكتابة. ولكن بمجرد أن استطعت الجلوس بمفردي للتفكير فيما حدث بدا لي أنه من المنطقي بل وحتي من الضروري أن أكتب إليك هذا الخطاب .ولكي أكون صريحا معك ،لو لم تكن لوبوس بمثل هذا البعد عن العاصمة ( عجوز مريض مثلي له طريقة مختلفة في حساب الكيلومترات ) لكنت عدت في نفس اليوم إلي بوينوس أيرس .في النهاية كفانا من المقدمات ولندخل في لب الموضوع. ولكن قبل ذلك عزيزي فيدريكو دعني أشكرك مرة أخري علي ذلك العشاء الرائع الذي لا يقدر عليه شخص سواك .فكل من لويس فونس وباريوس وروبيروسا يتفقون معي علي أنك أحد مصادر البهجة للجنس البشري، وأنك مضيف لا يضاهيه أحد. لن أدهشك إذن أنه علي الرغم مما حدث فإنني مازلت أحتفظ بشعور بالرضا المشوب بالحنين عن هذه السهرة التي سمحت لي باللقاء مرة أخري بالأصدقاء القدامي و استرجاع الكثير من الذكريات التي راحت الوحدة تضفي عليها برودة أبدية.
ما أنا بصدد قصه عليك، هل هو حقا جديد بالنسبة لك؟ بينما أكتب لا أستطيع أن أزيح عني التفكير في أنه ربما كان وضعك كمالك للمنزل هو ما جعلك تغض الطرف عن عدم الارتياح الذي يجب أن تكون قد شعرت به من جراء تلك الواقعة المؤسفة بين روبيروسا ولويس فونس. أما فيما يتعلق بباريوس، الشارد كعادته، فهو لم ينتبه لأي شيء، فقد كان يرتشف قهوته بتلذذ ممل متنبه للطرائف والحكايات مستعدا دائما للمساهمة بروح فكاهته المميزة لأبناء الأوروبيين والتي كنا جميعا نمتدحها فيه.باختصار فيدريكو، إذا كان هذا الخطاب لا يضيف إليك أي جديد، فلك ألف اعتذار، علي أية حال أعتقد أنني أفعل طيبا بكتابته.
عندما وصلت إلي منزلك أثار انتباهي أن روبيروسا _ الودود دائما إلي العالم بأسره يبدو مراوغا في كل مرة يوجه إليه فونس الكلام وفي نفس الوقت لاحظت أن فونس كان حساسا إزاء تلك المعاملة الباردة، وأنه في مناسبات عديدة كان يصر علي الحديث إلي روبيروسا وكأنه يرغب في التأكد أن تصرفه هذا ليس نتاج حالة من الشرود اللحظي المحض. عندما نأخذ في الحسبان مجموعة من الندماء اللامعين أمثال باريوس و فونس و مثلك أنت فإن الصمت من قبل الآخرين يصبح أمرا غير مقبول، وأعتقد أنه لم يكن من الصعب ملاحظة أن روبيروسا لم يكن يتقبل سوي الحديث معك ومع باريوس و معي في اللحظات النادرة التي آثرت فيها الحديث علي الإنصات .
في المكتبة، كنا نستعد للجلوس بجوار النار (بينما كنت تعطي بعض التعليمات إلي خادمك المخلص أوردونيث) وإذا بروبيروسا ينفصل عن المجموعة ويتجه نحو النافذة ثم أخذ ينقر علي الزجاج. كنت قد تبادلت بضع كلمات مع باريوس الذي انبري يدافع عن التجارب النووية البغيضة _ وتهيأت للجلوس في وضع مريح بجوار المدفأة، عندما أدرت وجهي دون سبب محدد و شاهدت فونس ينفصل هو الآخر ويتوجه نحوالنافذة حيث كان روبيروسا ما يزال واقفا . كان باريوس قد كتم جداله وأخذ يتصفح بشرود أحد أعداد إسكيري في منأي عن كل ما كان يحدث هناك علي بعد.
لحظة صمت نادرة في مكتبتك سمحت لي بأن أفهم في وضوح مدهش الكلمات التي كانت تقال في صوت خفيض بجوار النافذة. وسأعيد عليك نص ما بدا لي أنني سمعته. كان هناك سؤال من فونس:. أيمكنني أن أعرف ماذا حل بك، ها؟! . وكانت الإجابة الفورية من روبيروسا: . اذهب لتعرف أي اسم أشفقوا عليك ومنحوك إياه في تلك السفارة. بالنسبة لي لا يوجد سوي طريقة واحدة أناديك بها ولا أريد أن أفعل ذلك في منزل بعيد ..
أصابتني غرابة الحوار وفوق ذلك النبرة التي تم بها بالحيرة حتي خيل إليٌ أنني أرتكب فعلا طائشا فحولت نظري. في نفس هذه اللحظة أنهيتَ حديثك مع أوردنيث وودعته وكان باريوس يتسلي بإحدي لوحات بارجاس. دون أن أعاود النظرتجاه النافذة سمعت صوت فونس :.استحلفك بأغلي من عندك أن….وجاء صوت روبيروسا ليقاطعه كضربة سوط:.هذا أمر لا يسوي بالكلمات، ها.. وعندها صفقت بيديك داعيا إيانا للجلوس بالقرب من النار، وأخذت المجلة من باريوس الذي أصر علي أن يبدي إعجابه بصفحة جذبته بشكل خاص .وبين القفشات و الضحكات كنت لم أزل أسمع صوت فونس يقول: .أرجو منك ألا تعلم ماتيلدا بالأمر . ورأيت بشيء من عدم الوضوح _ روبيروسا يهز كتفيه ويوليه ظهره. اقتربتَ منهم ولن يدهشني أن تكون قد سمعت نهاية الحوار. وعندئذ ظهر أوردونيث حاملا السجائر والكونياك. جاء فونس للجلوس إلي جواري ولفنا الحديث مرة أخري حتي وقت متأخر جدا .أكون كاذبا عريزي فيدريكو إذا لم أضف أن هذه الواقعة كانت كافية لتفسد عليٌ نهاية سهرة ممتعة.
في أوقات التهديد العسكري، و الحدود المغلقة، وآبار البترول المنهوبة من الممكن لاتهام مماثل أن يكتسب أهمية ليس له أن يكتسبها في الأوقات الأسعد، ذلك أن واقع كونه جاء من رجل يحتل موقعا استراتيجيا في الأوساط العليا كذلك الذي يحتله روبيروسا يعطيه ثقلا تكون من الحماقة إنكاره ناهيك عن صبغة الاعتراف _ وهو ما ستسلم به أنت التي تفيض من صمت المتهم وتوسلاته.
في الواقع إن ذلك الذي ربما يكون قد حدث بين صديقينا لا يعنينا إلا بشكل غير مباشر. وفي هذا المعني فإن هذه السطور هي تحوير لتعليق شفهي لم تسمح لي به الظروف في حينه.
أكن تقديرا كبيرا للويس فونس لدرجة تجعلني أرغب في أن أكون مخطئا، وأعتقد أن عزلتي وكراهيتي للبشر _ وهو ما كنتم جميعا تعتبونه عليٌ بلطف _ من الممكن أن يكونا قد ساهما في اصطناع حكاية خيالية أو تفسير خاطيء من الممكن لسطرين منك أن يبدداهما.
بمشيئة الله سيكون الأمر كذلك، وإن شاء الله ستنفجر في الضحك ثم تظهر لي في خطاب أنتظره منك من الآن أن سنين من الشيب قد انتزعت مني ذكائي.
عناق من صديقك
ألبرتو روخاس
بوينوس أيرس الأربعاء 16يوليو 1958
السيد ألبرتو روخاس
عزيزي روخاس :
إذا كنت تهدف إثارة دهشتي فابتهج : لقد حققتَ في ذلك انتصارا عظيما .علي الرغم من أنني قاومت التصديق، فإنني كعجوز شكاك عليٌ أن أقر بقدراتك علي التواصل الروحي علي أن أعزو نجاحك إلي صدفة هي حتي أكثر إثارة للعجب.وفي النهاية أ




























































