هنا والآن من روائع كورتاثر ..الآن بالعربية

أبريل 17th, 2009 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

" السهرة " قصة : خوليو كورتاثر

 

 صدر عن دار ميريت للنشر بالقاهرة ترجمة عربية لمجموعة "هنا والآن" القصصية للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثر".

ويعتبر كورتاثر 1984( - 1914 ) من أهم كتاب القصة القصيرة في أمريكا اللاتينية بل وفي العالم كله. وقد ولد كورتاثر وفقاً لجريدة "الدستور" الأردنية عام 1914 في بروكسل من أبوين أرجنتينيين وعاش في الارجنتين ثم انتقل عام 1951 إلى فرنسا ليعيش هناك حتى رحيله عام ,1984 ومن أهم أعماله "الاسلحة السرية" و"مراقد" و"نهاية اللعبة" و"نحن نحب جليندا كثيرا" "حول اليوم في ثمانين عاما" و"الجوائز" و"لعبة الحجلة" و"كل النيران النار".

و"هنا والآن" هو رابع كتاب لكورتاثار يصدر باللغة العربية بعد صدور"كل النيران النار" و"لعبة الحجلة" و"نهاية اللعبة". وترجمت الكتاب الدكتورة عبير عبد الحافظ المحرر بوكالة الأنباء الأسبانية ومدرس الأدب الأسباني بجامعة القاهرة وهي متخصصة في نقد الرواية وأدب أمريكا.

السهرة

<!–Title1
–>

قصة: خوليو كورتاثر
<!–Introduction
–>الزمن، طفل يلهو ويحرك البشر
هيراكليت الفقرة 59
خطاب من الدكتور فيدريكو مورايس .
بوينوس أيرس ،الثلاثاء 15يوليو 1958
السيد ألبرتو روخاس
لوبوس ، ف.ث.ن.ج.ر.

صديقي العزيز:
كعادتي في مثل هذا الوقت من العام تغمرني رغبة عارمة في العودة إلي لقاء الأصدقاء القدامي، شديدي البعد بفعل آلاف الأسباب التي راحت الحياة رويدا رويدا تجبرنا علي الخضوع لها. أعتقد أنك أنت أيضا تشعر بمثل هذا الحنين الرقيق لجلسة سمر كنا فيها نتوهم أن الزمن لم يبلينا بعد وكأن الذكريات المشتركة تعيد إلينا ولو لبرهة نضرة الشباب المفقود.
بطبيعة الحال أنا أعتمد عليك في المقام الأول وأرسل إليك هذه السطور قبل اللقاء بوقت كاف حتي تتخذ قرارك بمغادرة مزرعتك لوبوس حيث حديقة الورد والمكتبة يحظيان بقدر من الجاذبية لديك يفوق كل جاذبية بوينوس أيرس بأسرها. فهي تشجع واقبل هذه التضحية المزدوجة بركوب القطار وتحمل ضجيج العاصمة. سنتناول طعام العشاء في منزلي ،كالسنين الخوالي، وسنكون الأصدقاء الذين اعتدنا أن نكون باستثناء … ولكن قبل ذلك أود لو حددت التاريخ بدقة مسبقا حتي تعتاد الفكرة، ها أنت تري أنني أعرفه وأنني أعمل علي تهيئة المضمار استراتيجيا .ولنقول، حينئذي، ال…
خطاب من الدكتور ألبرتو روخاس
لوبوس ،14 من يوليو 1958.
السيد فيدريكو مورايس
بوينوس أيرس .
صديقي العزيز:
ربما يدهشك أن تتسلم هذه السطور بعد سويعات قليلة من لقائنا اللطيف في منزلك ،بيد أن واقعة حدثت أثناء السهرة أثارتني لدرجة وجدت معها أنه يتعين عليٌ أن أفضي إليك بقلقي. أنت تعرف أنني أمقت الهاتف وأنني لست أيضا مولعا بالكتابة. ولكن بمجرد أن استطعت الجلوس بمفردي للتفكير فيما حدث بدا لي أنه من المنطقي بل وحتي من الضروري أن أكتب إليك هذا الخطاب .ولكي أكون صريحا معك ،لو لم تكن لوبوس بمثل هذا البعد عن العاصمة ( عجوز مريض مثلي له طريقة مختلفة في حساب الكيلومترات ) لكنت عدت في نفس اليوم إلي بوينوس أيرس .في النهاية كفانا من المقدمات ولندخل في لب الموضوع. ولكن قبل ذلك عزيزي فيدريكو دعني أشكرك مرة أخري علي ذلك العشاء الرائع الذي لا يقدر عليه شخص سواك .فكل من لويس فونس وباريوس وروبيروسا يتفقون معي علي أنك أحد مصادر البهجة للجنس البشري، وأنك مضيف لا يضاهيه أحد. لن أدهشك إذن أنه علي الرغم مما حدث فإنني مازلت أحتفظ بشعور بالرضا المشوب بالحنين عن هذه السهرة التي سمحت لي باللقاء مرة أخري بالأصدقاء القدامي و استرجاع الكثير من الذكريات التي راحت الوحدة تضفي عليها برودة أبدية.
ما أنا بصدد قصه عليك، هل هو حقا جديد بالنسبة لك؟ بينما أكتب لا أستطيع أن أزيح عني التفكير في أنه ربما كان وضعك كمالك للمنزل هو ما جعلك تغض الطرف عن عدم الارتياح الذي يجب أن تكون قد شعرت به من جراء تلك الواقعة المؤسفة بين روبيروسا ولويس فونس. أما فيما يتعلق بباريوس، الشارد كعادته، فهو لم ينتبه لأي شيء، فقد كان يرتشف قهوته بتلذذ ممل متنبه للطرائف والحكايات مستعدا دائما للمساهمة بروح فكاهته المميزة لأبناء الأوروبيين والتي كنا جميعا نمتدحها فيه.باختصار فيدريكو، إذا كان هذا الخطاب لا يضيف إليك أي جديد، فلك ألف اعتذار، علي أية حال أعتقد أنني أفعل طيبا بكتابته.
عندما وصلت إلي منزلك أثار انتباهي أن روبيروسا _ الودود دائما إلي العالم بأسره­ يبدو مراوغا في كل مرة يوجه إليه فونس الكلام وفي نفس الوقت لاحظت أن فونس كان حساسا إزاء تلك المعاملة الباردة، وأنه في مناسبات عديدة كان يصر علي الحديث إلي روبيروسا وكأنه يرغب في التأكد أن تصرفه هذا ليس نتاج حالة من الشرود اللحظي المحض. عندما نأخذ في الحسبان مجموعة من الندماء اللامعين أمثال باريوس و فونس و مثلك أنت فإن الصمت من قبل الآخرين يصبح أمرا غير مقبول، وأعتقد أنه لم يكن من الصعب ملاحظة أن روبيروسا لم يكن يتقبل سوي الحديث معك ومع باريوس و معي في اللحظات النادرة التي آثرت فيها الحديث علي الإنصات .
في المكتبة، كنا نستعد للجلوس بجوار النار (بينما كنت تعطي بعض التعليمات إلي خادمك المخلص أوردونيث) وإذا بروبيروسا ينفصل عن المجموعة ويتجه نحو النافذة ثم أخذ ينقر علي الزجاج. كنت قد تبادلت بضع كلمات مع باريوس ­ الذي انبري يدافع عن التجارب النووية البغيضة _ وتهيأت للجلوس في وضع مريح بجوار المدفأة، عندما أدرت وجهي دون سبب محدد و شاهدت فونس ينفصل هو الآخر ويتوجه نحوالنافذة حيث كان روبيروسا ما يزال واقفا . كان باريوس قد كتم جداله وأخذ يتصفح بشرود أحد أعداد إسكيري في منأي عن كل ما كان يحدث هناك علي بعد.
لحظة صمت نادرة في مكتبتك سمحت لي بأن أفهم في وضوح مدهش الكلمات التي كانت تقال في صوت خفيض بجوار النافذة. وسأعيد عليك نص ما بدا لي أنني سمعته. كان هناك سؤال من فونس:. أيمكنني أن أعرف ماذا حل بك، ها؟! . وكانت الإجابة الفورية من روبيروسا: . اذهب لتعرف أي اسم أشفقوا عليك ومنحوك إياه في تلك السفارة. بالنسبة لي لا يوجد سوي طريقة واحدة أناديك بها ولا أريد أن أفعل ذلك في منزل بعيد ..
أصابتني غرابة الحوار وفوق ذلك النبرة التي تم بها بالحيرة حتي خيل إليٌ أنني أرتكب فعلا طائشا فحولت نظري. في نفس هذه اللحظة أنهيتَ حديثك مع أوردنيث وودعته وكان باريوس يتسلي بإحدي لوحات بارجاس. دون أن أعاود النظرتجاه النافذة سمعت صوت فونس :.استحلفك بأغلي من عندك أن….وجاء صوت روبيروسا ليقاطعه كضربة سوط:.هذا أمر لا يسوي بالكلمات، ها.. وعندها صفقت بيديك داعيا إيانا للجلوس بالقرب من النار، وأخذت المجلة من باريوس الذي أصر علي أن يبدي إعجابه بصفحة جذبته بشكل خاص .وبين القفشات و الضحكات كنت لم أزل أسمع صوت فونس يقول: .أرجو منك ألا تعلم ماتيلدا بالأمر . ورأيت ­بشيء من عدم الوضوح _ روبيروسا يهز كتفيه ويوليه ظهره. اقتربتَ منهم ولن يدهشني أن تكون قد سمعت نهاية الحوار. وعندئذ ظهر أوردونيث حاملا السجائر والكونياك. جاء فونس للجلوس إلي جواري ولفنا الحديث مرة أخري حتي وقت متأخر جدا .أكون كاذبا عريزي فيدريكو إذا لم أضف أن هذه الواقعة كانت كافية لتفسد عليٌ نهاية سهرة ممتعة.
في أوقات التهديد العسكري، و الحدود المغلقة، وآبار البترول المنهوبة من الممكن لاتهام مماثل أن يكتسب أهمية ليس له أن يكتسبها في الأوقات الأسعد، ذلك أن واقع كونه جاء من رجل يحتل موقعا استراتيجيا في الأوساط العليا كذلك الذي يحتله روبيروسا يعطيه ثقلا تكون من الحماقة إنكاره ناهيك عن صبغة الاعتراف _ وهو ما ستسلم به أنت­ التي تفيض من صمت المتهم وتوسلاته.
في الواقع إن ذلك الذي ربما يكون قد حدث بين صديقينا لا يعنينا إلا بشكل غير مباشر. وفي هذا المعني فإن هذه السطور هي تحوير لتعليق شفهي لم تسمح لي به الظروف في حينه.
أكن تقديرا كبيرا للويس فونس لدرجة تجعلني أرغب في أن أكون مخطئا، وأعتقد أن عزلتي وكراهيتي للبشر _ وهو ما كنتم جميعا تعتبونه عليٌ بلطف _ من الممكن أن يكونا قد ساهما في اصطناع حكاية خيالية أو تفسير خاطيء من الممكن لسطرين منك أن يبدداهما.
بمشيئة الله سيكون الأمر كذلك، وإن شاء الله ستنفجر في الضحك ثم تظهر لي ­في خطاب أنتظره منك من الآن­ أن سنين من الشيب قد انتزعت مني ذكائي.

عناق من صديقك
ألبرتو روخاس
بوينوس أيرس الأربعاء 16يوليو 1958
السيد ألبرتو روخاس
عزيزي روخاس :
إذا كنت تهدف إثارة دهشتي فابتهج : لقد حققتَ في ذلك انتصارا عظيما .علي الرغم من أنني قاومت التصديق، فإنني كعجوز شكاك عليٌ أن أقر بقدراتك علي التواصل الروحي علي أن أعزو نجاحك إلي صدفة هي حتي أكثر إثارة للعجب.وفي النهاية أ

المزيد


قصائد للشاعر الفرنسي أندريه فلتير

أبريل 11th, 2009 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

آخر يفكر ويحلم مكاني

ترجمة/اسكندر حبش

كي أبني لكِ… ([)


لديّ، كي أبني لك قبرا
كلمات شمس وأحلام،
لا شيء ينتمي إلى ثقل العالم،
لا شيء يفرض عليك موتا مكبلا،
لا شيء يبطئ جريك أعلى
كلّ القمم.

أترين أخترع لك
قبرا من دون زخارف،
بدون رخام ولا إكليل، أرفعك
أقلّ من مسلّة ضائعة في الصحراء،
أهديك نفحة من رمال وريح،
قبر عصفور مهاجر،
قبر فراشة زرقاء
قبر طائرة ورقية.

في ترتيلة الكون الكنسية
أنت ضحكة النور الصافية،
فرح بدون ظلّ يُعطي
ويعطي حضورا إضافيا للمستحيل،
مثل هذه السمكة التي ترثينها في السماء
أو هذه الزهور التي ترضى، لأجلك فقط،
أن تتفتح تحت القمر.

إذا، من الظلمات الموجود فيها،
أنا، شبه الكافر، أصرخ إليك قائلا
إن كان هناك أورشليم أخرى
فأنت امرأتي السماوية.

الملح والذهب
ليس للدوار سوى عبارة واحدة
ولا شيء بعد يُبعدني عنك
تُثلج منذ أشهر
من دون أن أخرج من الغابة
حيث تتناهش الذئاب

أصرختُ أم صمتُّ
الجدار الذي ينهار
يشرب غبار الفجر
وينهار مجددا

قولي لي كفاني
أن أغسل عينيّ
بالملح
وبأن أضع جبيني
على كتف ظلّ

لا ترى عيناي إلا ما تريانه
جسدك الذي من رماد على حجر
والأشجار مقلوعة في كلّ مكان

لا يدافع جبيني إلا عن ليل عميق
سرّك الذي من ذهب ورصاص
الحب مُبدَعٌ مجددا في كلّ مكان

لأجلك، لدى الأفق آيات للبيع
وإن لزم أن أبذّر أيضا
الاستهتار والفرح
فليس عندي سوى هذا الكنز
كتجربة أخيرة عبر برهانك

أصرختُ أم صمتّ
القدر الذي ينهض
يسحر النور
وينهض مجددا

قولي لي إنه من الممكن
أن أتعرض لأذى
وبضحكتك
أن أنوع المستحيل
من جناح موتك

الفراغ حلم
أوضح من الأحلام
التي تقود إلى طرف العالم

أنت في الخيمياء لتولدي
الحجر، اللا حجر
الطلسم والجنية

مغادرا الذئاب التي تتناهش
أخرج أخيرا من الغابة
حيث تثلج منذ أشهر
لا شيء بعد يباعدني عنك
يتملك الدوار عبارتي.

فأل
لم تعد هناك عتبة
ولا منزل
ولا مخيم
ولا نار

فجر يدك اليسرى
يضم مساء يدك اليمنى
يتحول النهار غبارا
سامٍ هو الليل

المزيد


قصيدة الطبكيرية - من روائع بيسوا -

مارس 7th, 2007 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

طبكيريه 3-3

( دكان التبغ )

فرناندو بيسوا

ترجمة : المهدى أخريف

يا جوهر موسيقى أشعارى اللامجدية

هل أقدر أن ألقاك كشئ يخصنى , كشئ انا صانعه

بدلا من أن أبقى قبالة الطبكيرية

حيث أدوس وعيى بأننى موجود

مثل بساط يتعثر فوقه سكير

أو حصير سرقه غجر وهو لا يساوى حبة خردل .

لكن صاحب الطبكيرية ظهر بالباب ولبث واقفا هناك

أنظر إليه بضيق من يحمل رأساً فى وضع غير مريح

بضيق فهم سئ للروح .

سيموت هو وأموت أنا

هو سيترك يافطته وأنا سأخلف أشعارى

بعد حين ستتلاشى اليافطة وأشعارى ستغيب

بعد ذلك سيموت الشارع حيث كانت اليافطة

ثم تموت اللغة التى بها كتبت تلك الأشعار

فيما بعد سوف يتلاشى الكوكب السيار الذى حدث فيه هذا كله ..

فى كواكب أخرى لمجموعات أخرى سوف تواصل كائنات

شبيهة بالبشر

وضع أشياء تشبه الأشعار

تشبه العيش تحت يافطة متجر

دائما شئ ما قبالة شئ آخر

دائماً شئ لا جدوى منه تماماً مثل آخر

دائماً ما هو مستحيل وما هو واقعى فى البلادة سواء

دائما سر العمق أكيد مثل غوامض السطح

المزيد


تابع : قصيدة الطبكيرية - داكن التبغ - فرناندو بيسوا

مارس 7th, 2007 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

طبكيريه 2-3

( دكان التبغ )

فرناندو بيسوا

ترجمة : المهدى أخريف

أوَ أومن بنفسى ؟ لا بنفسى ولا بأى شئ

لتسكب  الطبيعة

 شمسها ومطرها على رأسى المتقد

ولتكنس ريحها شعرى

وما تبقى ليات

إذا كان لا بد أن يأتى

أولا يأتى أبداً .

عبيد قلبيون للنجوم نحن

نفتح العالم قبل نهوضنا من السرير

نستيقظ فإذا هو صفيق

نخرج إلى الشارع فإذا هو غريب عنا

وهو الأرض بأكملها والنظام الشمسى ودرب التبانة

وما لا يحدد ..

( كلى الشوكولاته يا ضغيرة

كلى الشوكولاته !

سترين لا توجد ميتافيزيقا تُضاهى الشوكولاته

سترين كل الديانات لا تُعلّم أكثر مما تعلمه المِقشدة

كُلى أيتها الصغيرة القذرة كلى !

ليتنى أستطيع أكل الشوكولاته بمثل اليقين الذى به تأكلينها

غير أننى أفكر لدى نزع اللفافة الفضية التى هى ورقة من قصدير

فى أن أقذف إلى الأرض بكل شئ مثلما فعلت بحياتى نفسها )

لكن تبقى على الأقل مرارة ما لن أكونه أبداً

الخط السريع لهذه الشعار

بوابة منكسرة على المستحيل

إننى على الأقل أمحض نفسى ازدراءً بلا دموع

نبيلُ على الأقل بفعل الحركة الجنتلمانية التى أرمى بها فى تيار الأشياء

الثياب القذرة التى هى أنا

لأبقى فى بيتى من غير قميص .

( أنت التى تواسين وليس لك وجود ’ لذلك تواسين

إلهةً يونانية كنتِ ’ مثل تمثال وُهب الحياة

أو نبيلة رومانية , مستحيلة ومشؤومة

المزيد


من روائع الشاعر البرتغالى فرناندو بيسوا - قصيدة طبكيريه - أول نشر لها على الشبكة

مارس 7th, 2007 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

طبكيريه 1-3

 ( دكان التبغ )

فرناندو بيسوا

ترجمة : المهدى أخريف

لا أساوى شيئاً

ولن أكون ابداً لا شئ .

لا أستطيع أن أرغب فى أن أكون لا شئ

عدا هذا , أملك كل أحلام العالم فى دخيلتى ..

نوافذ غرفتى ,

غرفة واحد من هؤلاء الملايين فى العالم

لا أحد يعرف من هو

( وحتى لو عُرف , ماذا سيُعرف عنه ؟ )

نوافذ مطلة على غوامض شارع يجتازه الناس باستمرار

تطل على شارع يصعب على الفكر ارتياده

واقعى , واقعى حتى الاستحالة , واضح بطريقة لا تخطر على البال

بغوامض الأشياء تحت الأحجار والكائنات

بغوامض الموت الذى يُخزّز الحيطان

ويزرع البياض فى شعور الرجال

بالمصير الذى يقود الكل فى عربة اللاشئ

أنا اليوم مهزوم كما لوكنت أعرف الحقيقة

صاح كما لو كنت على وشك الموت

لا أخوة مع الأشياء لدى أكثر من

أخوة وداع فيما هذا المنزل وذلك الجانب من الشارع

يغدوان صفاً من عربات قطار

صفارة ممتدة داخل جمجمتى

رجة فى أعصابى وطقطقة

فى عظامى لحظة الإقلاع

أنا اليوم مبلبل الخطر كمن فكّر فوجد ثم نسى كل شئ

أنا اليوم موزع بين انحيازى

للطبكيرية المقابلة كشئ واقعى من الخارج

وبين الإحساس بأن كل شئ هو مجرد حلم

بوصفه شيئاً واقعياً من الداخل

أخفقت فى كل شئ

ولما لم يكن عندى أى هدف من أى نوع فقد بات كل شئ

غير ذى قيمة لدى

ما لقنونى إياه

قذفت به من النافذة الخلفية .

لقد ذهبت إلى الحقول تحدونى غايات كبيرة

المزيد


من قصائد طاغور

فبراير 10th, 2007 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

 

من قصائد طاغور

 

اولئك الذين يحبونني في هذا العالم، يحاولون بجميع الوسائل أن يجعلونني بمأمن ، وليس الأمر كذلك مع حبك الذي هو أكبر من حبهم، فانك تتركني حرا.
  انهم لا يجرؤون ابدا على تركي وحيدا لئلا انساهم، ولكن الايام تتعاقب ، وانت لا تبدو البتة، وعلى انني لا أذكرك في صلواتي، وعلى انني لا اجذبك للبقاء في قلبي فان حبك لي ما يزال ينتظر حبي.
 
 
  ******************
 
  إيه أيتها الدنيا لقد قطفت وردتك.
  وضممتها الى قلبي فوخزتني شوكتها. ولما جنح النهار الى الزوال ،وامتدت العتمة، ألفيت

المزيد


من روائع الأدب العالمى : الأمير الصغير لأنطوان دو سانت اكزوبرى 1/5

سبتمبر 15th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

الأمير الصغير

  

تأليف: أنطوان دو سانت اكزوبري

ترجمة: يوسف غصوب

نضدتها لمعابر مشكورة: نسرين الأحمد

(معابر )

إلى ليون فيرس

 

أقدم اعتذاري للأطفال لأني أهديت هذا الكتاب لأحد من الكبار.

لكن لي عذري الجاد في هذا: ألا وهو أن هذا الشخص من الكبار هو أفضل صديق لي في هذا العالم.

ولي عذر آخر: أن هذا الشخص من الكبار بوسعه أن يتفهم كل شيء، بما فيه كتب الأطفال.

ولي عذر ثالث: أن هذا الشخص من الكبار يسكن في فرنسا حيث يعاني من الجوع والبرد.

وهو بحاجة لمن يواسيه.

ولكن، إن لم تكفي كل هذه الأعذار، فإني أرغب تقديم هذا الكتاب لهذا لطفل الذي كانه يوماً ذاك الإنسان الكبير.

لأن كل الكبار كانوا ذات يوم أطفالاً. (وإن كان القلائل منهم يتذكر هذا).

لذلك أصحح إهدائي الذي أقدمه:

إلى ليون فيرث حين كان طفلاً صغيراً.

1

رأيت، وأنا في السادسة من عمري، صورة رائعة في كتاب عن "الغابة العذراء" يدعى "قصص حقيقية" وكانت الصورة تمثل ثعباناً (بُوَا) يبتلع وحشاً. في أعلى الصفحة نسخة عن تلك الصورة.

وقرأت في الكتاب: "أن الثعابين تبتلع فريستها بالكامل، من دون أن تمضغها، فإذا ابتلعتها عجزت عن كل حركة ونامت مدة ستّة أشهر حتى تنتهي من هضمها.

وبعد أن فكرت ملياً فيما يقع في الغابات من الحوادث أخذت قلماً فيه رصاصة ملونة وخططت أول رسم رسمتـُه وهو كما ترى.

ثمّ أريتُ باكورة فنّي الكبار من الناس (أعني الكبار في السن) وسألتهم قائلاً: أما يُخيفكم هذا الرسم؟

فأجابوا: متى كانت القبعة تخيف الناس؟

ما كان رسمي يمثّل قبعة بل ثعباناً يهضم فيلاً. ثم رسمت باطن الثعبان عسى أن يفهم الكبار فإنهم في حاجة دائمة إلى الإيضاح. وكان رسمي الثاني كما ترى.

فلما أبرزته لكبار الناس تنصحوا لي بأن أدع جانباً رسم الثعابين من الخارج والباطن وقالوا: الأفضل لك أن تعنى بدرس الجغرافية والتاريخ والحساب وقواعد اللغة، فأهملت، وأنا في السادسة من عمري، مستقبلاً باهراً في فن التصوير لأن رسمي الأول والثاني لم يروقا كبار السن. إن هؤلاء الكبار لا يدركون شيئاً من تلقاء نفوسهم فلا بد للصغار من أن يشرحوا لهم ويطيلوا الشرح ويكرّروا. ولا يخفى ما في هذا من التعب والعناء.

  اضطررت إلى اختيار مهنة أخرى، فتعلّمت قيادة الطائرات و طرت هنا و هناك في مختلف أنحاء العالم.

ومما لا ريب فيه أن الجغرافية كانت لي خير معوان في طيراني، فكنت أفرّق ،لأول وهلة، و من دون أي تردد، بين بلاد الصين و أريزونا. و في هذا فائدة جلّى ولا سيما إذا ضلّ الطائر طريقه في الليل.

واتصلت، في مجرى حياتي، بكثير من أهل الرزانة و الوقار، ولابست كبار الناس ملابسة حميمة، غير أن سوء رأيي فيهم لم يتبدل تبدلاً يذكر.

كنت إذا لقيت أحدهم وبدا أنه على شيء من صفاء الذهن امتحنته بالرسم الأول الذي احتفظت به، لأرى

مقدار ما عنده من الفطنة ، والإدراك، فإذا قال : "هذي قبعة" أضربت عن الكلام على الثعابين و الغابات العذراء و النجوم، وإنحططت إلى مستوى فهمه فحدثته عن "البردج" وعن "الغولف" وعن ربطة العنق وفي السياسة، فيسرّ سروراً كثيراً لتعرّفه إلى رجل على هذا الجانب من التعقل.

2

 و ظللت هكذا وحيداً لا أجد من أتحدث إليه حديثاً صادقاً حتى اليوم الذي تعطلت فيه طائرتي في الصحراء و قد مرّ على هذا الحادث ست سنوات. وكان العطل في المحرك و لم يكن في الطائرة ميكانيكي و لا ركاب، فتأهبت لإصلاح العطل بنفسي على ما في إصلاحه من الصعوبة، على أن في إخفاقي أو نجاحي موتي أو حياتي. ولم يكن لديّ من الماء إلا ما يكفيني مدة ثمانية أيام.

نمت في الليلة الأولى على الرمل و بيني و بين أقرب بلد آهل ألف ميل، فكنت في عزلتي أشد انفراداً

من غريق على طوف في عرض المحيط. و شدّ ما كانت دهشتي عندما استيقظت في الصباح على صوت نحيل غريب يقول: ارسم لي إذا شئت، خروفاً.

قلت: ماذا؟

قال: صوّر لي خروفاً.

فاستويت على قدمي مذعوراً كمّن أنقضّت عليه الصاعقة، وأخذت أفرك عينيّ. ثم نظرت فإذا ولد صغير

غريب الهيئة يحدق إليّ بإنعام ورصانة. وقد صورته فيما بعد صوراً عديدة غير أن الصورة التي ترى

هي أفضلها. لكنها هيهات أن تدانيه فتوناً و جمالاً. وما يرجع إليّ الذنب في تقصيري فإن الكبار قد

ثبطوا عزيمتي عن مسلك التصوير يوم كنتُ في السادسة من عمري، وما كنت تعلمت من هذا الفن سوى رسم الثعابين من ظاهرها و باطنها.

نظرت إلى هذه الـ"رؤيا" بعينين ملؤهما الدهشة والحيرة. ولا غرابة فأنا على بعد ألف ميل عن كلّ ناحية معمورة وما من شيء يدل على أنّ هذا الولد ضلّ طريقه أو أنه يهلك جوعاً أو عطشاً أو أنه يموت عياءً أو خوفاً، و ما من شيء ينبئ أنه ضائع في قلب هذه الصحراء على بعد ألف ميل عن كلّ بلد آهل.

ولما عاد إليّ روعي واستطعت الكلام قلت: وأنت… ماذا تصنع هنا؟

فلم يجب على سؤالي بل كرّر عليّ طلبه الأول وكأنّه يعلّق عليه أهمية كبيرة.

قال: أرسم لي، إذا شئت، خروفاً.

فحيال هذا السرّ الغامض الذي أثّر في نفسي تأثيراً بليغاً ما جرؤت على عصيان أمره بل تأهّبت لتلبيته على ما فيه من الغرابة في مكان يبعد ألف ميل عن كلّ بلدِ معمور وعلى ما يحيق بي من خطر الموت.   

فأخرجت من جيبي ورقة و قلم الحبر ثم ذكرت أنّي درست على الأخص الجغرافية و التاريخ و الحساب و قواعد اللغة. فقلت للولد الصغير بنبرة فيها شيء من الامتعاض: إنّي لا أحسن الرسم.

فقال: لا بأس في ذلك. ارسم لي خروفاً.

و لم أكن رسمت من قبل خروفاً فرسمت له أحد الرسمين اللذين في متناول قلمي. وهو رسم الثعبان في هيئته الخارجية. وما أشدّ ما كانت دهشتي عندما سمعت الولد يقول: لا، لا. أنا ما أردت فيلاً في ثعبان. فالثعبان شديد الخطر، أما الفيل فيضيق به موطني. إن موطني صغير، صغير جداً. أنا بحاجة إلى خروف، فأرسم لي خروفاً.

فرسمت له خروفاً.

فأنعم النظر فيه ثم قال: لا، لا. هذا خروف مريض. وقد تفاقم مرضه فأرسم لي غيره.

فرسمت له غيره.

فابتسم ابتسامة حلوة وقال مترفّقاً بجهلي: ألا ترى … ليس هذا خروفاً. هذا كبش ذو قرنين.

فرسمت له خروفاً آخر. فلم يرض عنه بل رفضه كما رفض الخروفين السابقين وقال: هذا خروف قد شاخ وأنا أريد خروفاً فتياً يعمِّر طويلاً.

ففرغ عندئذٍ صبري وكنت أنوي الإسراع في تفكيك المحرّك فخربشت له الصورة التي ترى

وقلت: هذا هو الصندوق. أمّا الخروف ففي داخله. ونظرت إليه فإذا وجهه يتهلّل حبوراً، فعجبت لأطوار

هذا الولد الذي جعل نفسه حكماً في تصويري. ثم قال: هذا ما كنت أبتغي. ولكن أتراه يحتاج إلى كثير من العشب؟

المزيد


قصة لللعجيب والرائع : خوليو كورتاثر

أغسطس 27th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

 

صحة المرضى

خوليو كورتاثر

     عندما اعتلت صحة الخالة كاليليا بدون سابق إنذار أصيبت العائلة بالارتباك، ولم يتمكن أحد لعدة ساعات من اتخاذ رد فعل أومناقشة خطة للتعامل مع الموقف، ولايستثني من ذلك الخال روكه الذي كان دائما مايتوصل لأكثر الحلول مواءمة. إتصلوا بكارلوس في المكتب، وقامت كل من روسا وببا بصرف تلاميذ البيانووالسولفيج، والخالة كليليا نفسها كان قلقها علي ماما أكبر من قلقها علي حالتها هي. كانت متأكدة أن ماتشعر به ليس خطيرا، لكنه كان من الضروري في المقابل الا تبلغ ماما أخبارا سيئة بسبب ماتعانيه من سكروضغط دم غير مستقر، وزاد الأمر سوءا أنهم كانوا جميعا يعلمون أن الدكتور بونيفاث هوأول من تفهم وأيد فكرة اخفاء ما حدث لاليخاندرو عن ماما. وإذا كان علي الخالة كليليا أن تلزم الفراش، فقد كان عليهم إيجاد طريقة لجعل ماما لا تشك أنها مريضة لكن الأمور فيما يخص أليخاندرو كانت قد أصبحت في غاية الصعوبة، والآن استجد هذا الأمر أيضا لووقع أقل خطأ سينتهي بها الأمر لأن تعرف الحقيقة فعلي الرغم من أن المنزل كان كبيرا، كان علينا أن نأخذ في الأعتبار سمع ماما المرهف وقدرتها، التي تصل إلي حد إثارة القلق، علي تخمين المكان الذي يأتي منه كل شخص قامت ََا، وهي من تولي أيضا مهمة الاتصال بالدكتور بونيفاث، بإبلاغ أخوتها بأن الطبيب سيأتي في أقرب وقت، وطلبت منهم أن يبقوا الباب الداخلي مواربا كي يدخل دون أن يطرق وبينما كان كل من روسا والخال روكه يباشران رعاية الخالة كاليليا التي كانت قد أغمي عليها مرتين وتشكو من صداع غير محتمل، بقي كارلوس مع ماما ليحكي لها ما استجد في الأزمة الدبلوماسية مع البرازيل ويقرأ لها آخر الأخبار كانت ماما معتدلة المزاج تلك الظهيرة، ولم يكن خصرها يؤلمها كما في الحال دائما وقت القيلولة، ومضت تسأل الجميع عما يجعلهم متوترين لهذا الحد، وصار كل من بالبيت يتحدث عن أضرار المحسنات التي تضاف إلي الخبز جاء الخال روكه عند وقت الشاي لتبادل الحديث مع ماماو وتمكن كارلوس من الأستحمام وانتظار الطبيب كانت الخالة كاليليا تتحسن، لكنها كانت تجد صعوبة في الحركة في الفراش ولم تعد تهتم تقريبا بما أقلقها كثيرا عند خروجها من أول غيبوبة كانت كل من ََا وروسا تتناوبان رعايتها، وتعرضان عليها الشاي والماء دون أن تتلقيا ردا. ساد الهدوء المنزل عند آخر النهار وقال الأخوة لأنفسهم إن مرض الخالة كاليليا ربما لايكون بتلك الخطورة وأنها في ظهيرة اليوم التالي ستعاود دخول غرفة ماما كأن شيئا لم يكن.
فيما يخص أليخاندرو كانت الأمور قد سارت بشكل أسوأ بكثير، لأن أليخاندرو لقي حتفه في حادث سيارة بعد قليل من وصوله إلي ‘مونتيفيديو’ (الأوروجواي) حيث كانوا بانتظاره في منزل مهندس من أصدقائه كان قد مر علي ذلك حوالي العام، لكنه بالنسبة للأخوة والأخوال حدث البارحة.. بالنسبة للجميع عدا ماما، لأن أليخاندرو بالنسبة لماما كان في البرازيل، حيث كلفته احدي شركات مدينة ‘رثيفه’ بإنشاء مصنع أسمنت لم تخطر ببالهم فكرة تهيئة ماما نفسيا أو التلميح لها بأن حادثا قد وقع لأليخاندرو وأنه قد أصيب إصابة طفيفة، خاصة بعد تحذيرات الدكتور بونيفاث وحتي ماريا لاورا، التي كانت في الساعات الأولي في حالة لا تسمح لها باستيعاب أي شيء، سلمت باستحالة ابلاغ ماما بالخبر. سافر كل من كارلوس وأبو ماريا لاورا إلي الأوروجواي لمصاحبة الجثة، فيما واصلت العائلة رعايتها المعتادة لماما التي كانت في ذلك اليوم متألمة وصعبة المراس وافق نادي المهندسين علي إقامة المراسم في مقره، ولم تتمكن ََا حتي من رؤية نعش أليخاندرو لكونها أكثرهم انشغالا مع ماما، بينما تناوب الآخرون كل ساعة مرافقة ماريا لاورا المسكينة الغارقة في رعب بلا دموع وكما يحدث غالبا، وقعت علي عائق الخال روكه مهمة التفكير عند الفجر تحدث مع كارلوس الذي كان يبكي أخاه بصمت متكئا براسه علي المفرش الأخضر لطاولة الطعام التي طالما لعبا الورق عليها، ثم انضمت اليهما الخالة كليليا لأن ماما تنام الليل بطوله فلا تتوجب رعايتها وقد اتفقوا بتأييد ضمني من روسا وََا، علي الاجراءات الأولي، بدءا بمصادرة جريدة لاناثيون (الأمة) ­ إذ كانت ماما تقرر أحيانا قراءة الجريدة لعدة دقائق ­ ووافقوا جميعا علي ما توصل إليه الخال كارلوس وهكذا تعاقدت مؤسسة برازيلية مع أليخاندرو كي يمضي عاما ب ‘رثيفه’، فاضطرأليخاندرو بعد مرور بضع ساعات إلي التراجع عن إجازته القصيرة بمنزل صديقه المهندس وحزم حقيبته والقفز إلي أول طائرة كان علي ماما أن تفهم أن الزمن قد تغير، وأن من يعملون بالصناعة لايفقهون شيئا عن المشاعر لكن أليخاندرو سيجد بالتأكيد وسيلة للحصول علي إجازة لمدة أسبوع في منتصف العام والنزول إلي بوينس أيرس بدا كل ذلك لماما جيدا للغاية علي الرغم من أنها بكت قليلا واضطروا لجعلها تستنشق النشادر. وقال لها كارلوس الذي كان ينجح دائما في إضحاكها أنه من المخجل أن تبكي لأول نجاح لأصغر فرد في العائلة، وأن أليخاندرو لم يكن ليعجبه أن يعرف أنهم قد استقبلوا الخبر بهذه الطريقة. هدأت ماما عندئذ وقالت إنها ستشرب بعضا من نبيذ
المالاجا في صحة أليخاندرو خرج كارلوس فجأة لجلب النبيذ، لكن روسا هي التي أحضرته وتبادلت الأنخاب مع ماما.
كانت حياة ماما مليئة بالألم، وعلي الرغم من إنها كانت نادرا ماتشكو كان من الضروري عمل كل مايمكن لمؤانستها والترويح عنها عندما تعجبت في اليوم التالي لجنازة أليخاندرو من عدم مجيء ماريا لاورا لزيارتها مثل
كل خميس، ذهبت ََا إلي منزل ال نوبايي للتحدث مع ماريا لاورا كان روكه في تلك اللحظة في مكتب محام من أصدقائه يشرح له الموقف، ووعده المحامي بإرسال خطاب علي وجه السرعة إلي أخيه الذي يعمل ب ‘رثيفه’.
( لايتم اختبار المدن جزافا في منزل ماما) وبترتيب مايتعلق بالمراسلات كان الدكتور بونيفاث قد قام بالفعل ­ وكأنما بمحض الصدفة ­ بزيارة ماما، ووجد بعد فحص نظرها أن حالتها أفضل بكثير لكنه طلب منها التوقف عن قراءة الجريدة لبضعة أيام، وتكلفت الخالة كاليليا بأن تعلق لها علي أهم الأنباء ولحسن الحظ فإن ماما لم تكن تحب نشرات الأخبار في الراديو لأنها مبتذلة ويوجد بها من حين لآخر إعلانات عن عقاقير غير آمنة بالمرة يتعاطاها الناس هكذا علي الرغم من كل شيء.
جاءت ماريا لاورا يوم الجمعة وقت الظهيرة وتحدثت عن كثرة مايتوجب عليها مذاكرته من أجل اختبارات الهندسة المعمارية.
­ نعم يابنيتي، قالت ماما ناظرة لها بمودة، عيناك محمرتان من كثرة القراءة وذلك شيء سيء عليك بكمادات منقوع أوراق الهماميليس، فهي أفضل علاج.
كانت كل من ََا وروسا موجودتين للتدخل في الحوار في كل حين، واستطاعت ماريا لاورا أن تتمالك نفسها، بل وابتسمت عندما بدأت ماما في الحديث عن خطيبها الشقي هذا الذي سافر بعيدا هكذا دون أن يخطرهم تقريبا. هذا هو حال الشباب العصري، العالم قد جن والجميع في عجلة من آمرهم ولا وقت لديهم لأي شيء عرفت ماما فيما بعد في قصص الآباء والأجداد المعروفة سلفا، ثم جاءت القهوة، ودخل كارلوس بنكات وحكايات، وفي وقت ماتوقف الخال روكه عند باب الغرفة ونظر اليهم بطيبته المعتادة، وسارت الأمور علي مايرام حتي وقت راحة ماما.
اعتادت العائلة الأمر، وعانت ماريا لاورا من صعوبة أكبر لكنها في المقابل
لم يكن يتوجب عليها أن تري ماما إلا في أيام الخميس. وذات يوم وصل أول خطاب من أليخاندرو (كانت ماما قد تعجبت بالفعل مرتين من صمته) وقرأه لها كارلوس وهوجالس عند آخر الفراش كانت ‘رثيفه’ قد أعجبت أليخاندرو للغاية، وكان يتحدث عن الميناء وبائعي الببغاوات وطعم المرطبات، وسال لعاب العائلة عندما علمت أن الأناناس يباع هناك بسعر بخس للغاية، وأن القهوة حقيقية ولها رائحة. طلبت ماما أن تري الظرف وقالت أنه سيتوجب عليهم إعطاء الطابع لابن ال مارولدا هاو جمع الطوابع علي الرغم من أنها شخصيا لاتحب أن يتعامل الأولاد مع الطوابع لأنهم بعد ذلك لايغسلون أيديهم والطوابع قد لفت العالم كله.
­ إنهم يلعقونها بألسنتهم للصقها فتعلق بها الميكروبات وتتكاثر، وذلك شيء معروف ­ هكذا كانت ماما تقول دائما ­ لكن اعطوها له علي كل حال، فعنده منها كميات كبيرة، وطابع اضافي لن يحدث فرقا…
في يوم آخر، نادت ماما روسا وأملتها خطابا لأليخاندرو وتسأله فيه متي سيستطيع أن يحصل علي إجازة وعما إذا كانت الرحلة يتكون مكلفة بشكل مبالغ فيه. كما وصفت له حالتها، وحدثته عن الترقية التي حصل عليها كارلوس لتوه، وعن الجائزة التي حصل عليها أحد التلاميذ الذين تدرسهم ََا البيانو قالت له أيضا أن ماريا لاورا تزورها كل خميس دون انقطاع، لكنها تستذكر دروسها بشكل مبالغ فيه وذلك شيء يضر بالنظر عندما انتهت الرسالة وقعت ماما بأسفلها بقلم رصاص وقبلت الورقة برقة نهضت ََا بحجة إحضار ظرف، وجاءت الخالة كاليليا بأقراص الساعة الخامسة وبضع زهرات لمزهرية ال ‘كومودينو’.
لم يكن أي شيء سهلا، لأن ضغط دم ماما كان في تلك الفترة مستمرا في الأرتفاع، ووصل الأمر بالعائلة إلي التساءل عما اذا كان قد حدث تأثير علي مستوي اللاوعي، شيء يتسرب من سلوكهم جميعا، قلق وإحباط يضران ماما علي الرغم من الاحتياطات والبهجة المصطنعة لكن ذلك لم يكن ممكنا لأنهم من فرط ما ادعوا الضحك انتهي بهم جميعا الأمر إلي الضحك بحق مع ماما وصاروا أحيانا يتبادلون النكات والضربات علي الرغم من عدم وجودها معهم، وكانوا بعد ذلك ينظرون إلي بعضهم كأنما استيقظوا من النوم فجأة، ويحمر وجه ََا للغاية بينما كارلوس سيجارة منكسا رأسه في الواقع كان أهم شيء أن يمر الوقت دون أن تكتشف ماما أي شيء كان الخال روكه قد تحدث مع الدكتور بونيفاث ووافق الجميع علي أنه يجب الاستمرار إلي ما لا نهاية في المسرحية الورعة ­ كما كانت تسميها الخالة كاليليا كانت المشكلة الوحيدة هي زيارات ماريا لاورا لأن ماما كانت بالطبع تصر علي التحدث عن أليخاندرو، وكانت تريد أن تعرف إذا ماكانا سيتزوجان فور عودته من ‘رثيفه’ أم سيوافق هذا الولد المجنون علي عقد آخر في مكان بعيد ولفترة طويلة كما هو الحال الآن كان الحل الوحيد هوالدخول إلي غرفة النوم في كل لحظة، وإلهاء ماما وانتزاع ماريا لاورا التي كانت تظل هادئة جدا علي كرسيها، وتضم يديها إلي حد الألم لكن ماما سألت الخالة كليليا ذات يوم عن سبب تهافتهم بهذا الشكل حين تأتي ماريا لاورا لزيارتها كأنما هي فرصتهم الوحيدة لرؤيتها ضحكت الخالة كاليليا وقالت إنهم جميعا يرون في ماريا لاورا بعضا من
أليخاندرو ولذا يحبون التواجد معها حين تأتي.
­ معكم حق، ماريا لاورا في غاية الطيبة ­ قالت ماما ­ صدقيني، إن ابني الغبي لايستحقها.
­ انظروا من التي تقول هذا ­ قالت الخالة ََا­ أنت نفسك يسيل لعابك عندما تنطقين اسمه.
ضجت ماما، بدورها، بالضحك، وتذكرت أنه عن قريب يصل خطاب من
أليخاندرو وصل الخطاب وأحضره الخال روكه مع شاي الخامسة أرادت ماما تلك المرة أن تقرأ بنفسها وطلبت عويناتها المقربة.
قرأت بانهماك كأنما كل جملة قضمة يجب مضغها مرارا وتكرارا.
­ إن شباب اليوم لا احترام لديهم ­ قالت ماما دون اهتمام زائد الحمد لله علي أن تلك الآلات لم تكن تستخدم في زماني، لكنني لم أكن لأجرؤ أبدا علي الكتابة لأبي هكذا، ولا أنتم كنتم لتجرءوا.
­ بالطبع لا ­ قال الخال روكه ­ خاصة أن العجوز كان طبعه سيئا لغاية.
­ أنت لا تكف عن ترديد كلمة ال ‘عجوز’ هذه أبدا ياروكه تعرف أنني لا أحب سماعك تقولها لكنك لا تهتم تذكر وقع هذه الكلمة علي ماما.
­ حسنا، حسنا لكن لفظ ‘العجوز’ مجرد طريقة للتعبير، ولاعلاقة له بالاحترام.
­ إنه لشيء غريب للغاية ­ قالت ماما وهي تخلع نظارتها وتنظر لأشكال السحب في السماء الصافية­ وصلت خمسة أو سبعة خطابات من
أليخاندرو ولايناديني في أي منها ب .. آه، لكن هذا سر بيننا أتعرفون، هذا شيء عجيب. لم لم يناديني بهذا الاسم ولو لمرة واحدة؟
­ في الغالب شعر الفتي أنه من البلاعة أن يكتبه لك في خطاب، فمناداتك ب.. بم كان يناديك؟
­ إنه سر ­ قالت ماما ­ سر بيني وبين صغيري.
لم تكن روسا أوََا تعلمان شيئا عن هذا الأسم، وهز كارلوس كتفيه عندما سألناه.
­ ماذا تعتقد ياخالي إن أقصي ما أستطيع عمله هو تزوير الامضاء، وأعتقد أن ماما ستنسي هذا الأمر، فلا تهتم أنت به لهذه الدرجة.
بعد مرور أربعة أوخمسة أشهر وبعد وصول خطاب من أليخاندرو يوضح فيه كثرة العمل الذي يتوجب عليه إنجازه (علي الرغم من سعادته أنها فرصة ممتازة بالنسبة لمهندس شاب) أصرت ماما علي أن الوقت قد حان ليحصل علي إجازة ويأتي إلي بوينس أيرس، وبدا لروسا التي كانت تكتب رد ماما أنها كانت تمليها بطء أكبر، كما لو كانت تفكرطويلا بكل جملة.
­ سنري ان كان المسكين سيتمكن من المجيء ­ علقت روسا كأنما عفو الخاطر، سيكون شيئا مؤسفا أن يقع خلافا بينه وبين الشركة في هذا الوقت بالذات بينما كل الأمور تسير علي مايرام ويشعر هو بكل تلك السعادة.
استمرت ماما في إملائها كأنما لم تسمع شيئا كانت صحتها معتلة وتود لو تري أليخاندرو ولو لبضعة أيام. كان علي أليخاندرو أن يفكر أيضا بماريا لاورا، لا لأنها تعتقد أنه يهمل خطيبته، لكن لأن الحب لا يحيا بالكلام
الجميل والوعود التي تقطع عن بعد. وأخيراو تتمني أن يكتب لها
أليخاندرو قريبا خطابا به أخبار جيدة لاحظت روسا أن ماما لا تقبل الخطاب بعد توقيعه، بل تحدق به كأنما تود حفره في ذاكرتها ‘مسكين
أليخاندرو’، قالت روسا لنفسها ثم رسمت علامة الصليب بسرعة دون أن تراها ماما.
­ أسمع ­ قال الخال روكه لكارلوس عندما بقيا وحدهما ذلك المساء للعب الدومينو ­ أعتقد أن الأمر سيسوء.
­ لا أعلم ياخالي أفضل حل هو أن يجيب أليخاندرو بشكل يجعلها تشعر بالسعادة لفترة أطول المسكينة في غاية الوهن، ولا تستطيع حتي التفكير ب….
­ لم يقل أحد هذا يابني لكني أقول لك أن أمك من النوع الذي لايتراجع انها سمة عائلية ياصديقي.
قرأت ماما دون تعليق الرد المتهرب الذي بعث به أليخاندرو قال انه سيحاول الحصول علي إجازة فور تسليمه لأول قطاع يتم انشاؤه من المصنع عندما جاءت ماريا لاورا تلك الظهيرة طلبت منها أن تتوسط لها
لدي أليخاندرو كي يأتي إلي بوينس أيرس ولو لمدة أسبوع واحد قالت ماريا لاورا لروسا فيما بعد أن ماما طلبت منها ذلك في اللحظة الوحيدة التي لم يكن احد آخر ليسمعها فيها وكان الخال روكه أول من اقترح ما فكر به الجميع كثيرا دون أن يجرءوا علي الافصاح عنه، وعندما أملت ماما علي روسا خطابا آخر لأليخاندرو تصر فيه علي مجيئه، قرروا انه لم يعد هناك بد من المحاولة واستشفاف إذا ماكانت ماما في حالة تسمح لها بتلقي أول خبر سييء استشار كارلوس الدكتور بونيفاث الذي نصحه بالحذر وببضع نقط من الدواء انتظروا حتي مر وقت معقول ثم جاء الخال روكه وجلس عند آخر فراش ماما بينما كانت روسا تعد الماتيه وتنظر عبر زجاج الشرفة، بالقرب من ‘كومودينو’ الأدوية.
­ إسمعي، لقد بدأت أفهم لماذا لايتخذ ابنك الأرعن هذا قراره بالمجيء لرؤيتنا ­ قال الخال روكه ­ الحقيقة انه لم يرد أن يكدرك لعلمه أنك لم تتعافي بعد.
نظرت له ماما كأنما لا تفهم.
­ اتصل ال نوبايي اليوم، ويبدو أن ماريا لاورا تلقت أخبارا من أليخاندرو هو بخير لكنه لن يتمكن من السفر لعدة أشهر.
­ لماذا لن يتمكن من السفر؟ ­ سألت ماما.
­ لأنه علي مايبدو قد أصيب بشيء في قدمه، في كاحله علي ما أعتقد يجب أن نسأل ماريا لاورا كي تخبرنا بما يحدث بالضبط حدثني
‘نوبايي’ العجوز عن كسر أوشيء من هذا القبيل.
­ كسر في الكاحل؟ ­ قالت ماما
قبل أن يتمكن الخال روكه من الإجابة كانت روسا مستعدة بقنينة النشادر ثم جاء الدكتور بونيفاث وتم تجاوز الموقف في بضع ساعات، لكنها كانت ساعات طويلة،. ولم يفارق الدكتور بونيفاث العائلة الا بعد حلول الليل مر يومان قبل أن تشعر ماما أنها قد تعافت بالشكل الكافي لتطلب من ََا أن تكتب لأليخاندرو عندما أتت ََا، التي لم تفهم مقصدها جيدا، برزمة الأوراق والقلم أغلقت ماما عينيها وهزت رأسها نفيا.
­ اكتبي له أنت فحسب قولي له أن يعتني بنفسه.
اطاعتها ََا دون أن تفهم ما الذي يجعلها تكتب الجملة تلو الأخري بما أن ماما لن تقرأ الخطاب ذلك المساء قالت لكارلوس أنها طوال الوقت، بينما كانت تكتب بالقرب من فراش ماما، كانت لديها ثقة تامة بأن ماما لن تقرأ أوتوقع هذا الخطاب لقد احتفظت بعينيها مغلقتين ولم تفتحهما الا ساعة غلي الأعشاب كانت تبدو وكأنها نسيت نفسها وتفكر بأشياء أخري.
أجاب أليخاندرو بلهجة طبيعية للغاية، وشرح أنه لم يرد أن يخبرها بشأن الكسر كي لا تتكدر كان قد اختلط عليهم الأمر في البداية ووضعوا له جبسا توجب تغييره

المزيد


سيرة

أغسطس 9th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

 

كارلوس فوينتس متحدثاً عن صديقه ماركيز

" المذكرات هي الجنس الأدبي الوحيد الذي يجرؤ علي تسمية نفسه. السيرة الذاتية تقول لنا: (أنت ما كنته)، الرواية تقول: (أنت ما تتخيل). والاعترافات تقول: (أنت ما فعلت). لكن السيرة الذاتية أو الرواية أو الاعترافات تحتاج لذاكرة، فالذاكرة كما يقول شكسبير هي حارس العقل. أقول أنا إنه حارس يتواجد في الحاضر لكي ينظر بوجه إلي الماضي وبوجه آخر إلي المستقبل. البحث عن الزمن المفقود هو أيضا، في النهاية، البحث عن الزمن المرغوب. اليوم في العام الثالث من الألفية الثالثة بعد ميلاد المسيح، يتذكر جابرييل جارثيا ماركيز. لمن سيقولون له يوما: (أنت كنت هذا) أو (فعلت هذا) أو (تخيلت هذا)، يسبقهم هو ويقول: أكون، وسأكون وتخيلت. هذا أتذكره.
في الخمسينيات كنت أدير مع (إيمانويل كاربايو)، (المجلة المكسيكية للأدب)، التي كانت تعادي الشوفينية التي كانت ملتصقة بحياتنا الثقافية. التعاون مع المجلات اللاتينيو أمريكية التي لها روح مشابهة كان إحدي الطرق لكسر الجدار. كانت مجلتان: (اوريخينيس) في كوبا، التي كان يديرها (ثينيتو بيتير)، الذي سمح لي ببدء مراسلات رائعة مع الكاتب العظيم (خوسيه ليثاما ليما). ومجلة (ميتو) التي كان ينشرها في بوجوتا: خورخي جايتان دوران الذي مكنني من الاتصال بالشابين ــ في ذلك الوقت والكاتبين الكبيرين حاليا ــ (ألفارو موتيس) و(جابريل جارثيا ماركيز). عرفت (جابو) قبل أن أتعرف عليه، فقد كان قد نشر (جنازة الجدة) و(مونولج إيزابيل بينما تري المطر في ماكوندو). من هو؟ كيف كان هذا الكاتب اللامع الذي يخرج ما هو استوائي من عاديته بضربة واحدة، ويعطيه ذلك الحزن الذي وصفه كلاوديو ماجريس بأنه يميز أدب أمريكا اللاتينية؟ ضد إغواء قراءة ما هو عجائبي يطلب منا جارثيل ماركيز أن (نؤدي الواجب الدرسي ونعيد قراءة نثر شجني، صعب، قاس). الجائزة علي عبقريته الابداعية، علي عكس السهولة في تلك اللحظة، كانت شهرة، فقط يمكن مقارنتها في اللغة الاسبانية بشهرة رواية أخري خالدة لأنها أيضا (شجنية صعبة، وقاسية): الكيخوته.
اللقاء الاول

اللقاء الأول كان في مكاتب ذلك العالم الكريم السخي الغريب الأطوار والمجنون (مانويل بارباتشانو برونسي). قصر قديم في شارع قرطبة ــ قصر دراكولا كما قال جابو ــ حيث قدمني ألفارو موتيس إلي جارثيا ماركيز وولدت الصداقة منذ النظرة الأولي. أعتقد أنه منذ تلك اللحظة أصبحنا صديقين للأبد، لدرجة أنه يمكنني أن أحدد ملامح الفترات المختلفة في حياتي منذ الثانية والثلاثين من عمري، عبر ملامح الصداقة مع جابو. وهو نفسه قال ذات مرة إننا لو كتبنا ذكرياتنا المشتركة فسوف يجد القراء صفحات متطابقة. في مكسيك الستينيات كانت الحياة الأدبية تدور حول مقهيان في (الزونا روسا)، كينرت والتيرول. قررنا جابو وأنا أن ننظم اللقاءات كل أحد بدءا من السادسة في بيتي المتهدم في سان أنخيل. مرت البشرية بأكملها علي هذا المكان. كلنا كنا شبابا، كلنا كنا واعدين، كنا كلنا ندخن ونشرب. البعض لم يخرج من طور الواعدين وأخرين قرروا أن يجنوا ما يسد رمقهم بما لا يتناسب مع كم وعظمة العمل.
كنا كلنا نرقص علي نغمات الاكشافات الجديدة: البيتلز ورولينج ستون. يوجد دليل: صورة غير تقليدية لجابو يرقص (الواتوسي) مع ايلينا جارو. كل الفتيات كن جميلات. من كانت أجمل من زهرة الأوركيديا الحزية الرقيقة (أرابيا أربينز). أرابيا، ابنة رئيس جواتيمالا المخلوع (بواسطة السي آي ايه) خاكوبو أربينز. جاءت إلي المكسيك لتدرس السينما بينما كنا، جابو وأنا كاتبين للسيناريو شديدي الضعف في عملنا كما كانت هي في الحياة. كتبنا معا سيناريو (الديك الذهبي)، إحدي قصص خوان رولفو، الذي أخرجه رودلوفو جافالدون، الذي كان مخرجا الطلب عليه كبير لدرجة أنه كان بالنهار يكتب سيناريو للمطربة (ليبرتاد لاماركي) وفي الليل يكتب معنا (الديك الذهبي)، لدرجة أن الأمر كان يختلط علينا، فأحيانا نجعل الديك يغني تانغو والسيدة (ليبرتاد) تقأقئ. ذات يوم قال لي جارثيا ماركيز: (ماذا سنفعل؟ هل سننقذ السينما المكسيكية أم سنكتب رواياتنا)؟ إننا نلعب بمصيرنا.

مائة عام من السعادة

ذهبت لأعيش في باريس لفترة طويلة، وحبس جابو نفسه لكتابة (مائة عام من العزلة). زوجته ميرسيدس أغلقت أبواب البيت، وقطعت أسلاك التليفون وملأت الثلاجة بكل ما هو ضروري. بعد عام وصلتني الخمسين صفحة الأولي من (مائة عام من العزلة). قرأتها بتأثر وإعجاب والأكثر من هذا بسعادة لأن لي صديق كبير الموهبة شديد السخاء. لأنها كانت رواية سخية. في أكثر من جانب. لم يعط ويعط فقط. لم يكن فقط يمتلك فضيلة الاعتراف بالفضل ــ الاشارة لعنوان كتاب جميل لتوماس سيجوبيا، شاعر كبير من جيلنا ــ. لم يكن فقط يجمع التقاليد العظيمة لأدب أمريكا اللاتينية بلمحة واحدة ــ أسطورة التأسيس، ملحمية الدمار، وتاريخ إعادة الخلق ــ لكنه كان أيضا يبرز بعظمة وسخاء توافق الأجناس في عصر من الجفاف الأدبي، محدد بدكتاتورية الرواية الفرنسية الجديدة، التي كانت تعمل علي تحويل الأدب إلي صحراء. شديد السخاء، فكان جارثيا ماركيز يعيدنا جميعا إلي (لا مانشا) محافظة ثربانتس الكبيرة حيث التقي كل من ملحمية الفروسية والدهاء والرواية الرعوية والحبكة البيزنطية، والرواية داخل الرواية وسجن الحب، وسخاء الأدب الذي يستعيده جارثيا ماركيز لأمريكا اللاتينية إنطلاقا من تقاليد مشتركة وموقع جغرافي جميل. الكاريبي، تيار الشكر الأدبي الذي ينساب من المسيسبي إلي وليام فوكنر عبر جزر التيار عند ارنست هيمنجواي، وفي محطة اسبانية في كوبا أليخو كاربنتير، ومفهومه عن (الواقع الرائع)، الأصل الحقيقي للواقعية السحرية. لكنه يمتد عبر اللغة الاسبانية عند جاك رومان وتوبي مارسيلين في هاييتي، وأيمي سيزار وإدوار جاليسان في الكاريبي الفرانكفوني ، وجان ريس، الطفلة الوحيدة لبحر (سرقسطة)، التي تتغطي بالكامل بالابيض في الكاريبي المتحدث بالانكليزية، وكمنارة للاسبانية، تقاوم كل هجمات الامبرراطورية، لويس رافائيل سانشيز في بويرتو ريكو. وفي الماضي، الماضي البعيد، رواة الهنود، والبحارة، والخيال الذي تزوج من الذاكرة. من كل هذا ينحدر جابرييل جارثيا ماركيز الذي يتذكر اليوم وسيظل يتذكر إلي الأبد، وجعل كل هذا حاضرا ومرئيا.

أصدقاء الأصدقاء

في كتابي (في هذا أعتقد) كتبت: (ما لا نمتلكه، نجده في الصديق). أنا وجابو تشابهنا في أشياء كثيرة واختلفنا قليلا. في السياسة، لا يمكن تفادي اختلاف الاراء، ودليل الصداقة أن ما يمكن أن يفرقنا هو ما يربطنا أكثر: الاحترام. أحيانا أترك جانبا انتمائنا الخلافي لأمريكا اللاتينية، لأفكر أن أمريكا اللاتينية تدرك نفس

المزيد


أربعة شعراء فى شاعر واحد

يوليو 13th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , أدب عالمى

أربعة شعراء في شاعر واحد

فرناندو بيسوا

ترجمة: محمد عيد إبراهيم

 

يعتبر فرناندو بيسوا المثال الأكثر تطرفا على طبيعة وتحديات شاعر الحداثة الآن: فهو مثال الانطوائي الموضوعي. لم يسع أحد للعثور على شيء غير شخصي في قصائده، كما سيحدث فيما بعد مع معظم شعراء الحداثة المتميزين. وقد تقبل انقسام ذاته بصورة تامة لدرجة أنه فعل شيئا غريبا: كان يكتب الشعر بأربعة أسماء ـ اسمه واسم ثلاثة "توابع" له.
لم يكونوا مزيفين، بل مجرد شعراء متخيلين لكل منهم قصائد واقعية باسمه الخاص. كان فرناندو بيسوا أربعة شعراء في شاعر واحد: ألبرتو كاييرو، ريكاردو رييس، ألفارو دو كامبوس، وهو نفسه، وكل منهم مميز تماما عن الآخرين.
كل واحد يكتب قصائده بشكل مختلف عن الباقي، (كاييرو) شعر حر، ويختلف عنها في النبرة تماما قصائد (كامبوس)، ويكتب (رييس) شعرا موزونا لكنه ليس إيقاعيا، أما (بيسوا) نفسه (عدا قصائده المبكرة) فيكتب شعرا موزونا وإيقاعيا بصورة كاملة. قد يبدو لنا أنه يكتب من اللاوعي، لكن ذلك في الواقع لم يكن مصادفة. كان بيسوا الشاعر يكتب عدة شعراء بقصائد متباينة لكل منهم.
يصنف بيسوا شعراءه الأربعة على النحو التالي: كاييرو ـ هو ما كان يتمناه بيسوا لبساطته الشديدة، ولأنه أقدم هذه الانشقاقات الشعرية، فقد كان يستحوذ على كل شيء، وهو ما اشتاق بيسوا كثيرا أن يكونه ولم يستطع. رييس ـ كان الأقرب إلى بيسوا حين يود أن يصبح كاييرو، ومن بطن كاييرو يعمل رييس بوثنية في تعاليمه الجمالية، أبيقوريّ حسيّ تارة، وأخرى رواقيّ قدريّ، رغم أنه واع، وعلى صلة صافية بالبيئة البشرية المرتبطة بالنزعة المسيحية. أما كامبوس ـ فهو الذي أنقذ بيسوا نفسه من الوقوع في حضن رييس.
بدأ بيسوا على صورة الانبساطي، ثم انتهى انطوائيا. بدأ مصمما على أن "يحس بكل منحى فيه إحساس"، لكنه انتهى بصورة استحواذية مرضية، يتساءل إن كان هو نفسه حقيقيا أم لا. وكشاعر له مثل اسمه، فقد نضج بشكل كامل بمجرد ظهور شعرائه التابعين: كاييرو مثالي، رييس الأفضل في المرتبة الثانية، أما كامبوس فكان يؤدي أسفار بيسوا نيابة عنه، لكن لا مهرب في النهاية من العودة إلى الديار واستكشاف الحقيقة.

جسمي جسوم كثيرة

ولد بيسوا 13 يونيو 1888 في لشبونة، وتوفي في 30 نوفمبر 1935. في عمر الورد فقد أباه، وتزوجت أمه ثانية، وتلقى تعليما إنجليزيا في دوربان بجنوب إفريقيا حيث كان زوج أمه قنصل البرتغال هناك. في سن السابعة عشرة عاد إلى لشبونة من جديد، وظل هناك الثلاثين عاما المتبقية من عمره.
كان يكتب رسائله بالإنجليزية والفرنسية، وقد توظف بشركة تجارية في لشبونة يكسب منها دخلا متواضعا كان يمكنه فقط من تكريس نفسه لكتابة الشعر بإخلاص وإذعان لذلك النداء الغريب في جسمه: "أفرق جسمي في جسوم كثيرة".
في عام 1914 انقسمت فيه شجرة التعدد. كيف حدث؟ يحدثنا بيسوا نفسه في خطابه المرسل 13 يناير 1935 إلى كاسايس مونتيرو، بأنه في طفولته كان يقيم حوارات مطولة مع أشخاص متخيلين، لم يكن يسمعهم فحسب بل يراهم ويسميهم.
في عام 1912 جرب أن يكتب بعض قصائد وثنية، مثلت فشلا ذريعا، لكن تلبّث معه نوع من "الصورة الغامضة" عن كنه كاتبها ـ "وبدون معرفة مسبقة، ولد مني ريكاردو رييس". وفي أقل من عامين، وعلى سبيل التفكه جرب أن يخترع نوعا آخر أكثر تعقيدا من شاعر رعوي. يقول:
"في ذلك اليوم كففت عن فعل أي شيء أخيرا، كان 8 مارس 1914، لكني فجأة ذهبت إلى طاولتي العالية، وتناولت ورقا أبيض، فبدأت أكتب واقفا كما اعتدت الكتابة دائما. أُلهمت ثلاثين قصيدة غريبة في نوع من النشوة لم أستطع تحديد هويتها. كان يوم النصر في حياتي كلها، ولن أنال شبيها له بعد ذلك أبدا. بدأت قصيدة بعنوان "راعي الغنم". وما تلاها كان ينتسب لشبح شخص آخر داخلي، وعلى الفور منحته اسم (ألبرتو كاييرو). وسامحوني على عبث هذه العبارة: لقد ظهر سيدي داخلي. ذلك كان هو الإحساس العاجل الذي نلته".
وبعد أن كتب قصائده الثلاثين الغريبة التي تخص كاييرو، يقول:
"على الفور أمسكت ورقا آخر وكتبت، مباشرة أيضا، ست قصائد تمثل الجانب الحقيقي من فرناندو بيسوا، شخصيا وكاملا. كانت عودة من فرناندو بيسوا إلى ألبرتو كاييرو ثم إلى فرناندو بيسوا من جديد وحيدا مع نفسه. أو من الأفضل أن أقول، كان ذلك ردة فعل فرناندو بيسوا ضد منافسيه المتخيلين أمثال كاييرو".
ويستمر يكشف غريزيا وبدون وعي عن بعض خصائص كاييرو، فيقول:
"لقد قذفت ريكاردو رييس من وثنه المزيف، واكتشفت اسمه، ثم كيفت له نفسه مع نفسه، لأني في هذه المرحلة كنت أراه فعليا. وفجأة، بنوع من الانشقاق المعارض لريكاردو رييس، برز مني شخص جديد كطفح جلدي. على الفور قمت إلى الآلة الكاتبة، ودون مقاطعة أو تصحيف، أنشأت "نشيد النصر" التي انتسبت لألفارو دو كامبوس، قصيدة اخترعت اسمها واسم كاتبها كلا على السواء".

وعندئذ اخترع حلقة متخيلة أخرى، يقول:
"قمت بتثبيت ذلك كله بعفن الحقيقة. صنفت تأثيراتهم، وتعرفت على صداقاتهم، وسمعت بداخلي كل نقاشاتهم وانشقاق حلقتهم، ثم بدا لي أنني أنا مبدعهم جميعا، كنت أدنى شيء فيهم هناك. وكأن هذا حدث مستقلا عني. وكأنه لا زال يحدث على هذا النحو…"
ويقول جوناثان جريفين في مقدمة ترجمته لأشعار بيسوا "قصائد مختارة" التي نشرها في دار "بنجوين" (والتي نترجم عنها هنا) إن هناك حقيقة لم تذكر في تلك الرسالة: هو أن القصائد الست الأولى بتوقيع ريكاردو رييس كانت تحمل نفس التاريخ (6/6/1914)، مما يزعم، لكنه لا يؤكد طبعا، أن القصائد كلها جاءت دفعة واحدة.

الشاعر الأول:
من قصائد "ألبرتو كاييرو":

لو، بعد أن أموت

لو، بعد أن أموت، يودون كتابة سيرتي،
فلا شيء أبسط منه.
لديّ تاريخان محددان ـ لمولدي، ولوفاتي.
فيما بين الشيء والآخر كل الأيام
          تخصني.

سهل عندي أن أصف.
فقد عشت كالمجنون.
وأحببت بدون عاطفة.
لم أنل قط رغ

المزيد


التالي



سأحافظ على صلاتى لأكسب دائماً  وسأستغفر لنفسى دائما , لأننى أستحق الكثير من الاستغفار

ربما لمدى حياتى كلها .. لهذا أكتب  وأحلم بأن يحبنى الله - محمد زهران