مهندس العالم
مقاطع من ديوان مهندس العالم
الشاعر : عماد أبو صالح

موقع عماد أبو صالح : http://www.geocities.com/emadabusaleh
كتاب أشعاري الرابع اسمه "أنا خائف". أخاف فيه من أصدقائي وأعدائي والمرض والماضي وصباح غد ونفسي أنا نفسي ومن كل العالم. لي خمسة كتب وأخاف، لا أزال، من الكتابة. لا أعرف كيف استطعت أن أضم الحرف للحرف، والكلمة إلى الكلمة، ثم الجملة إلى الجملة، والقصيدة إلى القصيدة حتى أنشئ كتابًا؟ كيف أمكنني ضم الكتاب للكتاب، حتى أصبح لي خمسة كتب؟ خمسة كتب ولا أزال مثل تلميذ يتعثر في تهجي الكلمات.
أنظر للذين يتكلمون عن متعة الكتابة وأضحك. جارسيا ماركيز يقول: أكتب ليحبني أصدقائي أكثر". لورانس داريل يقول: "لكي أحقق ذاتي". آلان جوفروا يقول: "لندافع عن أنفسنا على هذه الأرض البيضاء". ويقول الحكيم الفرعوني: "ليبقى اسمك في فم الناس".
لا.
أنا لا أكتب لأشياء من هذه. الكتابة عندي الم. كأني أستفرغ أمعائي. نزيف متواصل. قلمي في الحبر، إصبعي في دمي. لم أختر الكتابة ابدًا برغبتي. شأن كل شيء في عمري. عمري الذي ضاع نصفه دون أن أختار أي شيء برغبة مني.
من الذي يمسك كرباجًا، كلما اقف، يلسعني به على ظهري؟ من الذي يدفعني، غصبًا عني، لأكتب؟
الله؟
الشيطان؟
ما أحببته، وأنا طفل، هو أن أكون نجارًا. كنت مبهورًا بالنجارين. برائحة الخشب. بالعاشق والمعشوق يحضنان بعضهما إلى الأبد. كنت أطاردهم من بيت إلى بيت، حتى يسمحوا لي أن أكشط سطح خشبة خشنة، وأترك ملمسها ناعمًا رائع البياض. كثيرة هي الايدي التي أعادتني بالصفعات، لأذاكر دروسي. إلى حفلات التعذيب بالقراءة و.. الكتابة. يد أبي. يد أمي. يد المدرس. يد النجار هو نفسه.
لا أعرف لماذا أخاف الكتابة؟ ألأنها تتغذى على أعز ما فيّ؟ ألأنها تمص عصيري؟
هل لارتباطها بالمدرسين غلاظ الأكباد، ولجان الامتحانات، والمراقبين بعيونهم البوليسية، ورعب السقوط آخر العام؟
هل لارتباطها بالأفندي؟ بسلطة قميصه وبنطلونه على أعمامي أصحاب الجلابيب؟
أي مسخرة في أن أكون كاتبًا، وأمي في البلد هناك، تخطئ كل مساء في عد إوزاتها، وأبي يضع للفاء نقطتين وللقاف نقطة واحدة؟
سأسكت. حين أكتب أفضح نفسي.
ما أجمل الصمت.
ما أجمل البياض، قبل أن يتوسخ بحبر الكتابة.
أنا أكره الكتابة.
شيء سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف
إلى النقاد
كنت أمشي في شارع سليمان باشا شاردًا ووحيدًا. أمشي هناك أحيانًا إلى أن تكلّ قدماي، حين أكون مرعوبًا من أن أبقى وحدي في غرفتي في الليل.
فجأة حطت يد، من الخلف، على كتفي. ثقيلة وخبيرة وباردة، كأنها يد مخبر.
استدرت، وأنا أرتجف، لأراه فزعق فيّ: "أنت تستثمر في كتابك الثالث ما فعلته في كتابك الثاني". كان يشير بإصبعه في عيني ولعابه يغطي وجهي. رجعت، آخر الليل، محبطًا ومهزوزًا. كلمة "تستثمر" هذه كانت فظة وجارحة. أشعرتني بأنني تاجر أو سمسار.
وحده الرجل ماشادو دي أسيس خفف عني. سحبت روايته "دون كازمورو" لأقرأ منها، بعد أن فشلت في أن أجبر نفسي على النوم. هي رواية رائعة ومهملة. لا أحد هنا، وذلك من الأفضل، يتكلم عنها تقريبًا.
وقفت فجأة، عند فقرة كأنه كتبها لأجلي. ليس معقولاً أنه كان يعرف، في الماضي، وهو يكتب روايته، ما سيحدث لي، في هذه الليلة، في المستقبل.
دققت نظري فإذ بالكلمات، في هذه الصفحة تحديدًا، صغيرة ومضغوطة عن الكلمات في الصفحات الأخرى!
شكرًا له. شكرًا لروحه الكبيرة التي رفرفت في غرفتي ودسّت هذه الفقرة، بين السطور، لئلا أنام حزينًا.
"سيدي، قالت دودة طويلة سمينة، نحن لا نفهم شيئًا على الاطلاق بين النصوص التي نقضمها، كما إننا لا نختار النصوص التي نقضمها، كما إننا لا نحب أو نكره ما نقضم. نحن نقضم".
إلى الشعراء
الشاعر مهندس العالم. حارم القبح من أن يهزم الجمال، ومانع الشر من أن يتسلل إلى الخير، ومانح المعنى في زمن بلا أي معنى (نعم. هكذا. أنا كلاسيكي). ليس نبيًا. دوره أصعب من النبي. النبي محروس بالله، والشاعر مفتوح على الشيطان. قصائده مرافعات دائمة ضد الخطأ. الخراب يطول روحه هنا، ما دام ينال من أي روح، في الطرف الآخر، على الأرض. يخطف النار بيد عارية ليضيء للناس. يحشر لحمه بين التروس ليمنع انحدار عجلة البشرية إلى الهاوية. بندقيته الحلم.
سذاجة؟ تهور؟ صراع بلا تكافؤ؟
تمام. الشاعر يلعب هنا. في المنطقة التي بلا ضمان. وحده، رجل الأعمال، يحسب الربح و الخسارة.
سيموت؟
يموت. الموت هو يوم ميلاده الحقيقي. الولادة من الرحم ولادة مشاع. الاستثنائي و الخارق هو الميلاد من الموت. هل حقًا قتل فرانكو لوركا؟ من الذي ينفي أن رامبو أكثر حضورًا في الموت مما كان في الحياة؟
أمي كاتبة قصة
شائعة انتشرت في قريتنا عن أرملة صغيرة تحب جارها. (شمال الدلتا. الخوف هناك دين الناس. الكراهية. الناموس يمص دم الكلاب والبهائم ويفرغه في أجسامهم. يأخذون السرطان وهم ماشون على أرجلهم، كأنه دور انفلونزا). حبسها إخوتها لتعترف. لم تقل لهم "نعم" و لم تقل "لا"، فهي لم تكن نعرف ما هو الحب أصلاً.
عصر يوم، في الصيف، مزقوها بالسكاكين. لم تصرخ ولم تفر. كأنه ليس جسدها، وكأنه ليس دمها.
أخوها الكبير خلع شاله و غطى ثدييها الملطخين بالدم، ثم وقف جوار جثتها، ينهج ويدخن سيجارة.
لم يتدخل أحد، رغم أن الناس كانوا كثيرين، لينقذها. حتى بنتيها الصغيرتين، بشعريهما الملبد وملابسهما الممزقة، لم تكونا تبكيان. عيونهما كانت تفتش، برعب، في قلب أمهما، كأنما لترى هذا الشيء الذي يقتلون الناس لأجله.
أخفوا جثتها في حقل مغمور بالماء وشتلوا فوقها شتلات الأرز، حسب ما قصته عليّ أمي. كانت تقص ببراعة، حتى أنها أشعرتني بأنني شريك في القتل انا أيضًا.
لا يبرؤني أنني كنت، وهم يقتلونها، في مدينة بعيدة. يكفي أنني كنت حيًا في الحياة، في مكان آخر.
فنان كبير
لأنه كان قد بلغ 70 عامًا، ولأن قدميه ما عادتا تستطيعان حمله، ولأنه لم يكن يقدر أن يعيش دون أن يلعب بالألوان، فإن هنري ماتيس ثبّت قلم فحم في عصا طويلة، وراح وهو نائم في سريره يرسم، بكل تهور الأطفال، على حيطان الغرفة.
ولأنه لم يعد له أب أو أم أو أخ كبير، فلم يقل له أحد: "ولد يا هنري، سنقص لك أصابعك، كفاية، أنت وسخت الحيطان".
أبي، هو الآخر، فنان كبير
أكره قوس قزح.
أخاف منه. أخبئ عينيّ في المرات النادرة التي يلون فيها وجه السماء. أحمر. أزرق. أخضر. أصفر. برتقالي. بنفسجي.
كنت الطفل الوحيد في العالم الذي يكره قوس قزح.
ما السبب؟
أبي كان يمسك دائمًا خيزرانة. لم أره ابدًا من دون خيزرانة. كأنها إصبع طويل نابت في يده. وسيلة التفاهم مع الكلاب، والبهائم، و….. أمي.
تفك ملابسها لتستحم. تقف، بجسمها السمين، في الطشت، وتريني آثار الضربات. أحمر. أزرق. أخضر. أصفر. برتقالي. بنفسجي.
أقواس قزح صغيرة ت



















































