من قصصى : العتيق ..

أكتوبر 2nd, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

العتيـــــــق
   محمد زهران
  
    شعرت بارتجاف ، لم أكن أعرف من أين يأتى البرد ؛ فاستيقظت مضطربا سحبت الأغطية حتى عنقى ، واستمر جسدى يرتعش . تنبهت إلى صوت المطر ، ارتفع صوته فى أذنى حتى غطى على كل شئ ، فذهب النوم . تطلعت إلى السقف مفزوعا ، بدا وكأن أعداداً هائلة من إبر حادة فى طريقها إلى اختراقه ، فتذكرت الحلم ، وبدأت أفكر فيما إذا كان البيت سيسقط علينا !! حين حكيت لهم الحلم ، توجس أبى ، .. كان مطرا عجيبا ، استمر أياما طويلة ، سمعت الأنين يتصاعد من كل البيوت ، فى البداية تهاوى الجامع ، وصاحب ذلك صرخات مرعبة ، وبرق كان كأنما يضئ من جوفه ، هبطنا إلى الشارع فى فزع ، تجمعنا فى ساحات واسعة ، كنت أرى الحوائط الطينية تتشبع بالمياه ، ثم تبدأ فى الذوبان والتحلل . كل الناس نزلوا إلى الساحات ، يراقبون بيوتهم تهبط ببطء ولزوجة ، تلتحم بالأرض ، بعدها بدأنا نسمع أصوات ارتطامات متوالية مكتومة ، وغير مصحوبة بأى غبار …

                 شعرت بخوف أرعد جسدى ، فتحت الباب ، وكان ظلاما . أبى يصلى فى غرفته ، صوته كأن له ذبذبات تملأ البيت ، جزعة .. ولها رنة مكتومة . لربما كانت شفتاه ترتعشان .. كنت أفكر فى ذلك وأنا أصعد السلم ، وكأنى أحمل فى جوفى حجرا ثقيلا ضخما . بدأ المطر يتحول إلى رذاذ خفيف ، ورأيته متألقا ، هل كان فى السماء أم فى الأرض ، بدا رائعا ، وأضواء من لمبات النيون الملونة تحيط بمئذنته .. فتجعل ميلها واضحا جدا .. كنت أتأمله عبر ملايين الملايين من رذاذ المطر ، كأنه يومض .. وكأنه يترقرق فى السماء .

* * * * *

- انتبه يا ولد .. لا تنظر إلى المئذنة طويلا ..

كان الصوت خلفى تماما ، التفت ورأيت عينيه عالقتين بها ..

- ….. ؟!

- من ينظر طويلا ، تسقط عليه وتدفنه تحتها ..

تركنى ، ومضى هابطا المنحدر ، كنت أراه كثيرا ، ودائما يكون بمفرده ، أحيانا أراه يصلى بين الصفوف ، ثم يختفى فجأة ، تحلق الأولاد حولى ، وظلوا يرمقونه فى خوف ، تنحى أحدنا ، التقط حجرا وصوب باتجاه الرجل . ابتسمت ..

- إنه يخيفنا فقط …

- … لم تقع المئذنة كما حلمت ؟!

- أحلامه لا تتحقق ..

- لا أصدق أن زلزالا جعل مئذنته تميل ؟

- وهل يبنون المآذن مائلة !!

جلسوا أسفل حائطه الحجرى ، يشيرون إلى بيوتهم ، نظرت إلى سطح بيتى ، ولم أستطع تمييزه ، التفت ورأيت الصحراء والنيل ، وكان بمقدورى رؤية شراع مركب يتحرك فى بطء ، فى الجهة الأخرى تنتهى الحقول وتبدو الصحراء أيضا .

بدأ الأولاد يتسابقون فى قذف الحجارة على بيوتهم ، نظرت إلى المئذنة فى تردد ، أحسست أنها ازدادت ميلا ، حدقت طويلا … وشعرت أنها تهوى .

* * * * *

انسل فى رقة الهواء ، متخللا كل شئ ، عابرا إلى جوف التل .. أسفل العتيق ، وبعد وقت قليل ، انساب فى الفجوة المظلمة ، تكاثف جسمه الدخانى ، وبانت ملامحه ، سعل سعالا شديدا فرفعوا وجوههم إليه ، استمر يسعل بصوت غريب ، وتحدث فى حشرجة لا يفهمها غيرهم .. كانت العينان تبرقان فى احمرار …

- قذفونى بحجر ؟! … هؤلاء الأولاد لا يكفون عن التطفل أبدا ..

- نرى كل شئ ..

- إنهم يسعون إلى هنا .. من الأفضل أن نستريح منهم ..

قرب أصابعه إلى وجهه ، وتمتم بأشياء ، نفخ زفيرا له ألوان ، فتلونت أصابعه ، وبدأت يداه تقتنصان من الظلام أعينا آدمية ، يمررها عبر إبرة صغيرة ويجمعها فى عنقود ، وكانت الأعين تضئ فى الظلام كمسبحة .

- ماذا تفعل .. ؟!

- أعميهم جميعا ..

انتفض الآخر فى لمحة بصر ، حلق حوله قليلا ثم هبط ، واندمج الجسمان كرؤى شفافة ، وبدا وكأنهما فى حديث لا يسمعه أحد .. ثم انفصلا أخيرا ، ربت على كتفه …

- مجرد أولاد .. اهدأ .

وجاء صوت من جانب الفجوة المظلمة …

- أنت حانق عليهم …

- يتعبونك … يتعبوننا جميعا ..

انظروا إليهم … انظروا …

ونفذت أبصارهم من جوف التل ، وعبر البيوت ، إلى مخادع الأولاد ، ورأوهم يتقلبون فى نوم هادئ …

- … صغار طيبون …

نظروا جميعا وضحكوا إلا هو …

- صغار أشرار !!

صمتوا وطال صمتهم . وكان ما يزال واقفا فى عناد ..

- هل سنبقى هكذا إلى الأبد .. متى تنتهى حراستنا لهذا الباب ؟؟

استدارت رؤوسهم جميعا فى بطء ، وتسمرت على باب صغير تعلوه نقوش ..

- … حين تسقط المئذنة … ويجئ الآدمى ذو الطالع .. ويقرأ المكتوب على الباب ، حينئذ نتركه  فى سلام ، ونذهب فى سلام .. حينئذ نتحرر فى سلام ..

تعرفون ذلك جيدا !!

- أود لو أمد يدى وأكسرها لنرتاح ..

- لا تفكر فى شئ ضار .. !

- من أمرنا بالحراسة مات .. من كنا نخشاه مات من زمن سحيق ؟!!

- … لكن الأمر لا يموت ..

* * * * *

كان سيدنا يراقبنا عبر شباك الجامع ، مشينا فى اضطراب ، وفى أيدينا مصاحفنا ، ولم نجرؤ على الالتفات أبدا ، أحيانا نحاول الهمس ، وحين نفكر فى أنه ربما يسمعنا ، نخاف ونصمت ، كنت قد تعودت بعد هبوطى ، أن أنظر إلى الجامع وأتأمله من أسفل ، ولكننى لم أستطع ، فقط فى لحظة نشعر بها جميعا ، فى توقيت واحد ، ندرك أننا ابتعدنا

المزيد


من قصصى : رقة القلوب البيضاء

أكتوبر 1st, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

رقة القلوب البيضاء

محمد زهران

      تراخت أقدامه فجأة ، فاستند إلى حائط قريب .

      كان قد قاوم الشعور بالتعب طوال سيره ، مؤمنا بقدرته الدائمة على السير إلى الأبد ، بقدرته على الضحك والحياة إلى الأبد . مفعماً بالابتسام تذكر أنه الآن عجوز ، وأن أطرافه ترتعش ، حتى يكاد لا يستطيع السيطرة عليها ، فاستراح على الحائط بظهره .

      تأمل السماء ورأى نجومها ، فكر فى أن كل هذه النجوم محض قلوب تنبض بالضوء ، قلوب متناهية الصغر ، رقيقة . أنصت إلى تراتيل الفجر ، تنساب من المآذن البعيدة ، بدت له شجية ، مغمورة بالوحدة ، كأنما لا ينصت إليها أحد ، شعر بأسى ، وبألفة غامضة معها ، فأنصت بكليته .

      عاودته الرغبة فى المشى ، فمشى ملتصقا بفتارين المحلات ، فكر فى أن الشوارع خالية من البشر على نحو مريح ، وأن الأولاد جميعا فى مخادعهم الدافئة ، رفع رأسه وتأمل البيوت الساكنة غشيه هدوء ، فابتسم … وتهيأ له أن الأولاد سينهضون فجأة من كل البيوت ، ويهبطون فى ثياب نومهم ، يجرون نحوه بعيون تقاوم النعاس ، ويتجمعون حوله هاتفين باسمه ، ثم يزحفون فى حشد هائل إلى حيث يقيم لهم أروع وأعظم عروضه ، كل عروض حياته دفعة واحدة …

      انتبه حين لاحظ أنه يقف أمام مرآة فى واجهة محل فاستدار إليها نظر إلى وجهه وتحسس ببطء كل تجاعيده ، صفت عيناه ورقت حين نظر إليها فى المرآة ، رآها ما تزال سوداء لامعة وباسمة فى نفس الوقت . نظر إلى يده ، تأملها طويلاً ثم رفعها ببطء أمام وجهه ، ارتجف فجأة وانسكب ماء غزير من عينيه حين تهيأ له أن دمية الأراجوز فوق ذراعه ، جفف عينيه ، وعاد يتأمل ذراعه الذى انتصب أمام وجهه ، بدأ فى تحريكه …

  • آآه يا أراجوز . أنت كبرت أيضاً !
  • أنا . طبعا لا .
  • وهذا الشعر … هذا الشعر الأبيض فى رأسك .
  • أنت الذى كبرت . انظروا إلى هذا العجوز أليس مضحكا ! ضحك الأراجوز ، ضحك بتلك الطريقة التى لا يمكن أن تخطئها أذن …
  • … أنت تهزأ بى !
  • أنا دائما أهزأ بك . أنا أهزأ بأى أحد . انظروا إليه إنه مضحك !!

ابتسم العجوز فى رقة .

  • ………… أوحشتنى
  • آه . شكرا ، ولكنك ما تزال مضحكا .

      ضحك الأراجوز مرة أخرى فابتسمت عين العجوز فى أعماقها .

  • وأنا أحبك . هيا … أريد أن أقبلك .
  • لا . لا تفعل !
  • بل سأقبلك … لم أقبلك من زمن …
  • لا … أبعدوه … أبعدوه … رائحة فمه كريهة …

      ضحك العجوز طويلا ، ضحك فى بكاء طويل ، وأعاد يده إلى مكانها ، تساءل عما جعله يتذكر كل شئ .. كل شئ على نحو مفاجئ ، استأنف مشيه البطىء مرة أخرى ، كانت ما تزال تراتيل الفجر مستمرة ، فأخذ يؤرجح رأسه على إيقاع اللحن .

* * * * *

ونام

      حدث ذلك عندما شعر بأنه يدخل جوف أراجوز كبير … كبير ، يدخل إلى ذلك العمق الدافئ الذى كان دائما ما يضع ذراعه فيه ، وحين استراح جسده داخل الأراجوز غمره الدفء ، فانتظمت أنفاسه ، ونام عندما قال له الأراجوز بصوت هادئ وحميم … : أنت متعب … نم .

ولكنه استيقظ ..

      حين شعر بالضجيج والخطو يدب من حوله ، أخرج رأسه من الأراجوز أخرجها بصعوبة ، لأنه كان لا يريد أن يخرجها أبدا ، فتح عينيه ورأى الشمس تتلألأ فى عينيه ببقع ذهبية قوية . نهض متلفتا ودهش لأنه نام فى مكانه . استطاع بعد قليل أن يميز أطفالا يمرون بجواره ، أطفال بوجوه نظيفة ، يحملون حقائبهم المدرسية ، وبنات بشعر مصفف ولامع ، لبث واقفا مأخوذا عيناه لا تتحولان ، عينان عجوزان تنظران نظرة فى نعومة القطن ، إلى الأولاد وهم يعبرون من أمامه ، رآهم كما كان يراهم من قبل ، منذ سنين طويلة ، وعاوده ذلك الشعور القديم : فرط الفرح وحمرة الوجه من الخجل .

      راقب طريقة مشيهم وحركاتهم ، أنصت إلى ضحكهم وأحاديثهم ، تسلل ضحكهم إلى داخله ، إلى أعماقه واستكان فى عمق القلب ، ومن حيث لا يمكن لأحد أن يرى ، توهج قلبه ، توهج هكذا فجأة كنجم ، وشيئا فشيئا تحولت نظرة عيني

المزيد


من مجموعتى القصصية : طيور الجسم الرائعة

سبتمبر 15th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

طيور الجسم الرائعة

 

وكلما تحرك ، تعثرت قدماه فى أشياء ، وتنقطع أفكار كان مستغرقا فيها ، فبدأ فى ركلها ، وظل يركلها حتى اتسعت مساحة خالية من الأرض تشبه دائرة . نسى ما كان يفكر فيه ، ودارت حوله الحجرة فى دوامة كانت تضيق تدريجيا ، فأمسك رأسه .

واستلقى بعرض الفراش دافنا وجهه فى الملاءة ، تتناثر حوله كتب وأوراق ولوحات مقلدة لفنانين من أزمنة بعيدة ، سكن تماما ، ولم يشعر ببقعة الشمس المنسابة من النافذة ، والتى تحركت ببطء من الأرض إلى الفراش ، ثم إلى الحائط ، ثم أخذت فى التضاؤل .

فتح عينيه ، وأغلقهما مرة أخرى ، تحرك فى بطء ، جلس فى منتصف الفراش متكئا على يد ، تلفت فى الحجرة بعيون نصف مغلقة ، تأملها فى الضوء الذى يسبق هبوط الظلام ، ورآها بهيئة حجرات دفن القدماء ، متسعة ، ومحتشدة بكل الأشياء اللازمة لحياة . نهض وتحرك باتجاه الموقد ، صنع كوبا كبيرا من القهوة ، تمشى فى الحجرة وأسند ذراعه على النافذة ، متأملا بقايا ألوان هادئة ، تتفرق ثم تعود وتختلط فى مزيج عجيب . أضاء الحجرة ، فتلألأت الألوان فى كل اللوحات المتناثرة على الأرض وتلك المعلقة على الحوائط ، دخل فى كل حجرة وهبط إلى الطابق السفلى أضاء جميع الحجرات ، كان يدوس على لوحات محطمة ، وصور فوتوغرافية لأشخاص ، مناضد وأرائك كلها محطمة وقد اهترأت أغطيتها وتغطت بطبقة كثيفة من الأتربة . أضاء مصباح المدخل ، وحدق فى الظلام . صعد إلى غرفته وصنع كوبا آخر من القهوة ، وضع لوحة بيضاء على حامل ، فتح كتابا على صورة صغيرة لسيدة تجلس بسكينة وتنظر فى غموض ، طوى الكتاب وثبته أمامه ، وكان ينظر بجدية وهو يضع ريشته ويرى آثرها على بياض اللوحة .

* * * * *

استيقظ على صوت يشبه صوت طائر ، كان يكتنفه من كل جانب ، فاعتقد أنه ما يزال فى حلمه واستمر متشبثا بوسادته مغمضا عينيه ، وصوت الطائر متواصل وجميل . نهض ونظر عبر النافذة ولم ير شيئا ، وشعر أن جسده خفيف وأن الصوت يخترقه وينفذ إلى داخله ويشيع بهجة لا حدود لوصفها . وحار فى أن يهبط باحثا عن مكانه أو يترك جسده لتلك الدغدغة التى ملكته ، وأخير هبط واندفع فى الشوارع ، وكان يعرف أنه ليس ثمة أشجار وليس ثمة شئ إلا خلاء متسع ، تنتصب فيه خرائب بيوت وأعمدة خرسانية خالية من الحوائط ، وفشل فى العثور على مصدر الصوت الذى كان يبتعد ويقترب دون أن يتحدد تماما . عرف أنه موجود فى مكان ما ، وشعر أنه يبحث عن كائن خائف ، فقرر أن يكف عن محاولاته .

وتكرر ذلك فى كل صباح ، فكان يطيل فى نومه ، وأحيانا يضع لوحة ويظل يرسم حتى يختفى صوته ، فيدور فى أرجاء البيت ، مرتبا الأشياء ، وطاردا كل المخلفات التى لا يرغب فى وجودها . وتدلت اللوحات فى أنساق متلائمة مع لون الحوائط ، ودارت فى رأسه إمكانية إزالة ما يحيط بالبيت ، بل وإزالة بقايا كل البيوت والشوارع ، وبنائها من جديد بأصابع رقيقة ودافئة ، وتشكلت أمامه ملامح لبشر يأتون ويسكنونها ، يقفون بالشرفات فى المساء ، بابتسامة لا تفارق وجوههم ، يلوحون بأيديهم ، ويلقون التحية فى صفاء ، وقد تكون عجوز فى حديقة ، تربت على كتفه وتمشى ، يضع رأسه على صدرها ويحدثها بأشياء كث

المزيد


من قصصى :

أغسطس 9th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

سحابة من البكاء

 

… هكذا وبينما أفكر فى ركوب الباص الذى توقف أمامى ، كنت قد ركبته فعلاً . كان من تلك الباصات التى تتوقف بالقرى فى الليل ، فيركب مسافرون ، ويهبط آخرون . جلست باستسلام فتحرك الباص . كان يخب مهتزاً كجمل عجوز فى صحراء ، مظلماً ، والمسافرون كانوا نائمين .

هكذا تأتى هذه الأوقات التى تشعر فيها بالصفاء وبالرغبة فى التفكير ، فكرت فى ذلك عندما استرخى كل جسدى ، وفكرت أيضا أنه من الرائع أن تستقل باصا لا يعرفك فيه أحد ، ولأنك فى مكان بعيد فلن يفاجئك شخص ، تراه فجأة أمامك فيقطع كل أفكارك ويدمر – بغير قصد – لحظة لا تأتى إلا هكذا فجأة .

كانت بجوارى فلاحة تضع طرحة على رأسها ، تضايقت من رائحتها ، أردت أن أنهض ، ولكن خيطا غامضا ربطنى بهذه الرائحة ، كانت تشبه رائحة الفول الأخضر ، مختلطة بقليل أو كثير برائحة الزبد الطازج ، بريئة وبدائية ، كانت النوافذ محطمة ، وهواء الحقول يغمر الباص ، فشعرت على الفور بأننى محاط بأجواء طالما أحببتها ، وطالما افتقدتها ، وفكرت لو أن هناك قمر يضئ الحقول بذلك البياض النائى والشفيف إذا لاكتمل كل شئ .

توقف الباص أمام قرية فتسلل ضوء أعمدة الكهرباء إلى الداخل ، استطعت أن أرى طرحتها الخفيفة ، كانت خضراء كالحة ، وجلبابها أبيض منقوشا بزهور حمراء وصفراء ، تحرك الباص مرة أخرى فدخل فى ظلمة الطريق المترب . سرحت قليلا ، وغفوت متلذذا باهتزاز الباص.

عندما فتحت عينى كان كل شئ كما هو ، هادئا بدائيا ، والركاب نائمين ، فعاودت التفكير فى أشياء جميلة ، فرحت لأشياء وحزنت لأشياء ، ابتسمت لأنى كنت غبيا فى أحيان كثيرة ، وحيث لا أحد يرانى أنّبت نفسى . وعلى نحو غريب ، وأنا صامت هكذا أفكر ، انتابتنى رغبة فى أن أكون ذلك الرجل البسيط ، الفلاح الذى يجلس متربعا فى داره مستندا إلى حائط ، مبتسما بوجه أسمر رائقا كسحابة ، وتمنيت بشدة ، تمنيت كحلم أن يرفع أحد النائمين رأسه ويغنى موالا ريفيا ، أو أن يخرج من جلبابه نايا ويعزف لحنا حزينا يصعد إلى السماء ، كنت أتصور دائما أن السماء تجتذب إليها ألحان هذه الآلة ، شرط أن تكون حزينة وريفية .

انتبهت فجأة إلى أنين خافت بجوارى ، التفت ، كانت الفلاحة تبكى ، محاولة أن تكتم صوت البكاء ، وكان يهبط ماء غزير من عينيها ، شعرت أن بكاءها مرير إلى ما لا يمكن تصوره من مرارة ، وفكرت فى أن روح الفلاحة ، روحها الخالصة هى التى تبكى . عدت ألتفت أمامى ، إلى ظلام الطريق ، إلا أن رأسى هذه المرة تحركت محملة بحزن غامض . تركتها تبكى لأننى كنت أعتقد أنه من الرائع أن يبكى المرء ، أن يستطيع البكاء هكذا ، وأننا

المزيد


تدريب

أغسطس 9th, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

تدريب على العودة إلى الكتابة

 

كان الذى يخشاه دائما أن يكف عن الحب , فامتلك الدفء , وحرص عليه  فى جوفه مثل لؤلؤة ..

ولما لم يجد من يربت على كتفه , صر على أسنانه حتى لا يتسرب الدفء .

لكن أسنانه تساقطت , فأغلق فكيه , وحين تعب أطلقهما …..

………..     

المزيد


فى مكــــــــان مــــــا

يناير 2nd, 2006 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

 

فى مكــــــــان مــــــا

 

 

 

 

لا أستطيع النوم ، ولا حتى بقادر على البقاء مستيقظاً .

إلى جانب ذلك ، فإننى لا أشعر بأى شئ مطلقا . كان بالتأكيد شيئاً ضخماً وثقيلا ، لم أستطع حتى رؤيته ، بدا كإظلام مفاجئ وسريع ، فى مثل سرعة شرارة ناتجة عن طرق حجرين . بدأ كل شئ منذ دقائق قليلة ، عندما كنت جائعا وأفكر فى شراء شئ للعشاء . تحديدا قبل خمس دقائق من الآن ، وبالتأكيد قبل أن تمسك أنت هذه الأوراق وتقرأها ، لأنها بالتأكيد ستعتبر فى عداد القصص !! أية كارثة ! آه مجرد قصة ، وبالتالى أنت تقرأها . إذ منذ خمس دقائق قررت أن اشترى وجبة عشاء لفرد هو أنا . وفى الطريق تذكرت أننى أريد شراء علبة سجائر أيضا ، ولأنه لا يمكنك تفسير هذا الارتباط بينى وبين السجائر ، فربما أستطيع إيجازه فى عبارة قصيرة :

أنا أدخن لأستمر فى الحياة ، أدخن لأبدو حيا ، فإن التدخين بحد ذاته قادر على الإيحاء تماما بأنك ما تزال تتنفس . ولكن وبينما أسير تجاه البقال ، صادفتنى مشكلة ، إذ أنه وبعد حسبة بسيطة بدأت أعتقد أن شراء نصف علبة سجائر فقط هو الأفضل ، باعتبار الغد . لأننى دائما أضع فى اعتبارى ضرورة تناول وجبتين ، وليس مهما أبدا أن أتساءل ماذا أأكل ، المهم فقط أنهما وجبتان ، ومن دونهما لا أستطيع التأكد من أن قدمى قادرتان على النهوض بى . ومع ذلك أصابتنى الحيرة مرة أخرى وتعقدت الحسبة ، فقد اتضح لى أن شراء نصف علبة سجائر .. مجرد نصف علبة ، يعنى الاستغناء عن إحدى وجبتى الغد ، وفى المقابل لا أستطيع الاستغناء عن السجائر مطلقا .

عاد كل شئ ليتعقد ، وشعرت بالدماء تتدفق إلى رأسى ، وتتلاطم فى العروق قريبا من أذنى ، وتحت فروة الرأس ، فى العمق تماما . كنت أتحسس كل الأفكار محاولا النزول بتكاليف الوجبة الواحدة إلى أدنى حد ، ولم ينجح ذلك ، إلى أن قررت – فى تردد – الاستغناء عن إحدى وجبتى الغد ، بدعوى أنه لا أحد يعرف ما يحمله الغد .

بدأ دكان البقال يقترب بصورة مستفزة ، فتوقفت أو ربما تباطأت فى السير ، لأنه كان لزاما على أن أعيد حساباتى مرة أخرى ، إذ من الصعب أن أعيش بوجبة واحدة على أية حال . كنت مستغرقا ، وأحسست برأسى ينتفخ ويتضخم كورم ، كورم لا شكل له ، ينبعج ويتمدد ويظل يتمدد . حاولت إبقاء عينى مفتوحة ولكنها كانت تضيق ، تنفتح قليلا ثم ما تلبث أن تضيق ، كهلال يحاول الاكتمال دون جدوى .

فى هذه اللحظة ، وقبل خمس دقائق من الآن سقط شئ ثقيل فوق رأسى ، كان ثقيلا وضخما ، لم أشعر بشئ ، فقط بدا الأمر كلطمة بسيطة فوق الرأس ، هكذا لطمة ليس إلا ، أستطيع أن أؤكد أننى لمحت ظلا هائلا لهذا الشئ ، أيا كان فأنا لا أستطيع معرفته الآن ، واعتقد أننى لن أستطيع أبدا . جرى ذلك فى طرفة عين ، شئ أشبه بانضغاطة بسيطة ،

المزيد


سيدة الماء

ديسمبر 31st, 2005 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

سيـــدة المـــاء

 

 

 

قفز فى الماء ، فبدأ القارب يتأرجح بشدة .

تلفتت ولم تجده ، كانت تحدق ذاهلة ، ودون أن تشعر خرج صراخها عاليا حادا ، فانتبهت نوارس كانت تطير عاليا فى السماء والتفتت بأعناقها ، بدا الصراخ لاذعا مريرا ، له صدى ، كأنما يأتى من كل أنحاء البحر . كان القارب ما يزال يتأرجح بها ، وعادت تنظر كأنما تبحث عن شئ لا يرى ، نادت عليه مرات ، ثم عاودت صراخا بدا قادرا على دفع الروح فى أعماقها إلى الخارج ، خارت قواها فانهار جسدها فى قاع القارب ، وأخرج فمها أنينا متواصلا ومكتوما وهى تفكر مشوشة فى قوة غامضة جعلتها تنفلت من بين يديه وتتشبث بالقارب :

كانا سيقفزان متلاحمين . عاودها بكاء صامت ومستمر ، لم تكن قادرة على إيقافه ، بعد قليل تحركت زاحفة ومالت بعنقها فوق حافة القارب ، نظرت خلال الماء الشفاف … ورأت جسده الخامد يهبط ببطء إلى الأعماق ، وشعره الأسود الطويل يتماوج كأعشاب بحرية ، غامت عيناها وفكرت فى أشياء كثيرة ، أشياء مرتبكة يتخللها وجهه ، وأصوات النوارس والشمس والموج الهادئ ، نهضت وقررت فجأة أن تقفز ، ولكنها تراجعت وانكمشت فى قاع القارب مرتجفة .

* * * * *

لم تتذكر أبدا كيف عادت إلى البيت ، ولكنها تعرف الآن أنها نامت فى فراشها لأيام طويلة ، لم تشعر بأى شئ ، من حين لآخر كانت تفتح عينيها وترى رقابا مدلاة نحوها ، رأت وجها يشبه وجه أمها ، ووجها يشبه نورا أختها ، رغم ذلك ظلت غير متأكدة من أى شئ ، كان الخدر يأخذها للنوم سريعا . لكن لم يكن بمقدورها تذكر أنها وطوال هذه الأيام كلما رأت البحر انتابها هياج فأغلقوا الشرفة وأسدلوا ستائرها ، كذلك لم تعرف بصراخها المتواصل ولا بكمونها فى الفراش ، محدقة خائفة من شئ لا يرى ..

كان صباح هادئ ، كل شئ كان يقول لها إن هذا صباح هادئ وجميل ، نهضت ، وفجأة شعرت بآلام فى كل جسدها ، تجمدت فى مكانها ، لم يكن يغيب عنها أى شئ ، فكرت :

.. كنا فى القارب .. وأبحرنا … كان يمسك بيدى .. كنت أمسك بيده فى قوة ، ما كان يمكن أن أتركه .. ولكن يدى انسحبت فجأة ! أى شئ جعلنى أسحب يدى ؟!!

شعرت بدوار مفاجئ وبرأسها ثقيلا ، ولكنها عادت تفكر مرة أخرى فى أنه لم يصر ، وأنه فى النهاية ترك يدها .. ترك لها أن تختار . أزاحت الستائر ، فتحت الشرفة وتأملت البحر ، اندفع الهواء إلى الداخل مشبعا باليود ، وباغتتها الدموع ، كانت تهبط هكذا من دون بكاء ، قالت لنفسها إنها ستكف الآن ، جففت الدموع بوجه صلب وأغلقت الشرفة .

* * * * *

على مائدة الإفطار ، كلمات قليلة تصدر من الأفواه ، بدت لها بعيدة ، كانوا يرمقونها ، أحست بعينى أبيها تقول بغلظة : انسيه .. قد مات الآن .. وكانت عينا الأم تمتلئ بلهفة ، وحدها نورا كانت تنظر إليها بعينين لا تعبران عن شئ .

عادت إلى غرفتها ، فتحت الشرفة والنوافذ ، فتسلل صوت الموج ، تبعتها نورا ، دخلت بابتهاج واستلقت على الفراش …

-   الهواء رائع اليوم .

-       نعم .

كانت ما تزال تنظر إلى البحر ، والناس التى تمشى على الشاطئ ، كانت تعرف أن نورا ستتكلم الآن وتسأل ، انتظرت أن تسمع أى شئ ، التفتت ورأتها مستلقية شاردة تحدق فى السقف..

-   نورا . أنت تفكرين ..

-   … نعم .

-   أعرف . كان يجب أن أقفز معه ..

-   لا .. لم أفكر أبدا !

-   ترين أنه … سيبدو شيئا رائعا كما فى رواية … أليس كذلك ..

أرادت أن تقول لها إن الحياة ليست رواية تقرأ .. إنها حياة ، ولكنها توقفت ، كانت تعرف أن نورا لن تفهم ، وأن صبية مثلها تهفو دائما إلى رومانسية الحياة ، فشعرت بخوف مفاجئ
عليها ..

كانت نورا فى أحضانها .. تبكى ..

- أنا سعيدة لأنك هنا ..

ارتديتا ملابسهما وخرجتا . قضيتا طيلة النهار فى التنزه ، كانتا تضحكان كثيرا يستقلان الباصات وتهبطان منها من دون هدف . جلستا فى حديقة ، أسندت نورا رأسها على كتفها ، فشعرت أن هذه الصبية تحبها أكثر مما تصورت . كانت الشمس تميل للغروب ، وسحابات قليلة تتحرك فى السماء ، نظرت نورا .

- أترين … هذه الأجواء … طالما قرأتها فى روايات ، الشمس .. شمس العصارى .. التى تميل للغروب ، المليئة بصمت ما قبل الموت ودفئه …

التفتت إلى ذلك الأفق حيث شردت نورا ، رأت الشمس تتجه ناحية البحر ، كبيرة متوهجة بالضوء ، تميل فى بطء لا يستطيع أحد إدراكه .

* * * * *

بالليل استيقظت ..

كانت تفكر فيه من دون رغبة فى أن تفكر ، يقتحمها دائما ، يغمرها بصوته ، نظرة العينين ، التفاتاته وابتسامه ، قالت إنه الحب ، ولكنها على نحو مفاجئ تذكرت أنه قد مات ، فبكت وشهقت بصوت مرتفع ، أدركت أنها لأول مرة تبكى موته ، فاستلقت على فراشها ، وعاودها مرآى ذلك اليوم ، رأت يدها تنفلت من يديه ، وجسده يتحرك هابطا إلى الأعماق ، بينما تقف مرتجفة فى القارب فصرخت باكية ، ارتفع صراخها وانتابها هياج وهى تتقلب فى فراشها ، تشد الملاءة وتقذف بالوسادات صارخة صراخا حادا وباكيا ، دخلت نورا وحالما رأتها بكت أيضا محاولة الإمساك بها ، دخلت الأم ، بدت كأنما انفجر قلبها فجأة ، أمسكتها هى الأخرى ، كانت تتلوى بين أيديهن ، صارخة . حين وقف الأب عند الباب ينظر بغضب ، سمعت شتائمه ، كان واقفا عند الباب ، عيناه حمروان ، يشتم .. ثم بعد ذلك لم تشعر بأى شئ .

 

فتحت عينيها ، كل شئ هادئ فى الحجرة المظلمة ، رأت ملابسها ممزقة ، خلف النافذة كان البرق يضئ كل وقت فيغمر الحجرة بالضوء ، ظلت مستلقية تنظر إلى الشرفة حين سمعت صوتا يتخلل صوت الرعد المكتوم اتسعت عيناها ، صوته … صوتا إنسانيا رخيما .. صوته هو .. كان خافتا .. كأنما يجئ من وراء جبال ..

هالة .. أنا هنا .. فى القاع يا هالة .. فى القاع ..

انقطع صوته فجأة ثم عاد واضحا نقيا ..

.. هل شعر بى أحد يا هالة .. هل شعر بى أحد ، غير الماء وبضع كائنات بحرية .. كان هبوطى رائقا جدا … وصافيا .. كورقة ملونة وجميلة .. لم تكونى معى ، .. وكان استقرارى فى القاع .. رقيقاً .. وهادئاً .. حاولت إعادة تلك الابتسامة الدائمة على وجهى … أن يكون لطيفا كعادته ، ولكننى لم أستطع .. تلفت حولى .. لم تكن هناك هالة .. راقدة فى القاع بجوارى .. لم تكونى هنا .. وبدأ جسدى يتآكل ويهترئ .. آآه .. كنت أراقبه يا هالة كنت أراقبه .. أرى ذرات صغيرة تنفصل كل وقت وتسبح فى المياه ، كان بمقدورى رؤية قطع صغيرة تنتشر فى الماء .. ثم تتفتت إلى دقائق صغيرة .. تروح وتجئ مع تيارات الأعماق ، لم تكونى .. هنا .. حين تلاشيت فى الماء ..

انفجر صوته

.. تلاشيت يا هالة .. تلاشيت …

كان الرعد يصرخ ، فصرخت هالة وظلت تحدق مرتجفة ، وحالما هدأت انتظم صوت تنفسها ، نهضت وتحركت ، تحركت فى بطء من يخضع لسحر غامض ، مضت باتجاه الشرفة وفتحتها ، نظرت إلى السماء ، رأت وجهه منقوشا فى السحب مقطبا وعينيه تنظران فى غضب ، لم يبد أنها بوغتت ، كانت تنظر إليه فى ضعف ، فى استسلام مهزوم ، أسندت جسدها على الحائط ، بدا لها وكأن كل أمطار العالم تسقط من وجهه ، عنيفة وحادة كسياط ، تجمدت فى مكانها فاغرة الفم ، بدت كإلهة مذعورة ، ترتجف تحت أمطار غزيرة ، مهيشة الشعر ، ممزقة الملابس ، يصرخ الرعد فى وجهها ، وتسقط الأمطار كأنما تجلد جسدها جلدا . وبكت كان ذلك حين رفعت ذراعيها إليه ، إلى وجهه ، ولكنه كان قد اختفى ، فتشت عنه فى كل مكان ولم تره ، عاودها الهياج عنيفا ، فاندفعت فى كل مكان ، تقلب الأشياء فى الحجرة ، ثم خرجت من البيت جريا ، انزلقت فى وحل الشارع ثم نهضت مرة أخرى وجرت باتجاه البحر .

وقفت على الشاطئ متلاحقة الأنفاس ، تلفتت حولها ولم تجده أيضا ، انتابها سكون غريب ، هدأ جسدها وتوقف رأسها عن الالتفات ، أرخت عينيها وابتسمت ، ثم مضت بخطوات بطيئة باتجاه البحر ، أخذت الأمواج ساقيها فاختفت ، بعد قليل لم يعد يظهر إلا رأسها وكتفاها .

صرخ الرعد فانقلبت الأمواج شديدة هائجة ، لم يكن بمقدور أحد رؤية أى شئ ، عادت الأمطار تهبط مرة أخرى ، غزيرة ، والسماء تومض ببروق متوالية ، كانت هناك ، على الشاطئ مستلقية على ظهرها تدفع الأمواج أقدامها ، تتنفس بخفوت ، بدا وكأن الأمواج قد لفظتها ، فتحت عينيها فى صعوبة ، استمر الموج يضرب أقدامها ، قويا رهيبا كسيوف لامعة ، يدفعها إلى السطح الأملس لرمال الشاطئ حتى ألصق جسدها بالرمال . أخيرا رأت وجهه فى رذاذ الماء ، رفعت رأسها قليلا ، ورأته يملا سطح البحر الرحب ، ووجهه يمتد إلى نهاية الأفق الذى لا يرى ، كان مبتسما .. عطوفا ، عيناه رقيقتان فشهقت باكية . أحست به يقترب ، كأنما يلمس جسدها ، غمرتها موجة فسمعت أنفاسه وأحست بدفء ذراعيه ، فغابت .

 

فى الصباح دخلت إلى البيت رائقة باسمة ، ملابسها ممزقة ومبتلة ، وآثار الرمال على جسدها ، كانوا جميعا واقفين ، نورا وأمها وأبوها ، لم تنظر إليهم ، مشت غائبة فى طمأنينة ، ببطء وهدوء ، ودخلت غرفتها ، لم تكن تريد أن ترى أحدا ، كانت ترغب فى أن تظل هكذا ، مستلقية فى الفراش ، تتذكر كل شئ كما لو كان حلما ، ولكنه لم يكن حلما . حين رأت أباها واقفا لم تلق بالا ، تركته واقفا وقالت فى نفسها : بعد قليل ستمضى الأشياء السيئة . استمرت مستلقية مسبلة العين باسمة ، ولكنه شد ذراعها وأنهضها ، فحدقت فى عينيه . عندما دخلت نورا وأمها كان يلوى ذراعها ويشتمها ، أحست برذاذ يخرج من فمه ، رذاذ مائى كريه الرائحة ، نتنا ، قالت فى نفسها : ابتعد ، ولكنه لم يبتعد ، نورا وأمها تبكيان لا تجرؤان على الاقتراب ، قالت مرة أخرى بصوت منخفض : ابتعد عنى .. أرجوك .

شعرت باختناق ، لم يبتعد ، أحست بسكون الموج فى الخارج .. سكون أشبه بسكون الموت ، فصرخت ، ورفعت يدها عاليا فى الهواء وهبطت بها ، هبطت بها كموجة قوية وحادة ، صفعته على وجهه ، فتراجع مذعورا ، بينما اندفعت خارجة من البيت .

* * * * *

….

-       هالة ..

-       نعم .

-   أنا هنا ..

-   وأنا هنا أيضا .

-   كونى .. قريبة …

-   أنا قريبة . سأظل قريبة .

هكذا هامت بوجهها على الشاطئ تحادثه باستمرار دون تعب ، تحب الأشياء كأنها هى ، تعشق البحر ، والسحاب فى السماء والمطر الذى يهبط رقيقا ، كأنه هو ، وتمضى هكذا فرحة تتألق الحياة فى وجهها ، لأنه أحبها دائما ، ولأنه يحبها الآن ، شعرت بالرغبة فى الضحك والبكاء معا وفى عناق كل الأشياء … كل الأشياء ..

هكذا كانت عندما عثرت بعد أيام من التجول على كوخ صغير بجوار الشاطئ ، محطما ، فأعادت بناءه ، أصلحت ثوبها وقررت أخيرا أن تبقى قريبة ، قالت فى نفسها : هنا ودائما ، فسمعت صوته يقول : هنا .. ودائما . ابتعدت عن البيت تماما ، وبدت لها الحياة على الشاطئ شيئا قريبا من روعة الحب ، فكانت تجرى على الشاطئ مهللة تقفز على الأمواج المتدافعة ، تغمر جسدها بالماء ، تتلاحم معه ، ثم تعاود العبث بالماء وتخرج من البحر مبتلة ، تمشى على طول الشاطئ ، أحيانا يأخذها المشى بعيدا ، فتصل إلى صخرة يضربها الموج ، تجلس وسط الماء وتريح رأسها على الصخرة وتنام .

وتتأمله بالليل حين يطفو وجهه على سطح البحر ، أو فى السماء وتكون مقفلة بالسحب فتصرخ كصوت رعد وتضحك ، ثم تجلس طوال الليل مقيمة ركبتيها ، تنظر باسمة . وحين تهب رياح شديدة ويرتفع الموج إلى أقصى مدى ، هادرا كجبال ، يكون الشاطئ خاليا ، ويتناثر رذاذ صوته بين رذاذ الأمواج ، تسمعه يقول : هالة .. ارقصى .. ارقصى ..

فتأخذ فى الرقص وتميل على إيقاع صوته ، يلين جسدها ويتناغم مع حركات الموج ، وشعرها يتطاير مع الرياح ، ساعتها تغنى ، غناء خافتا يشبه صوت الأعماق .

وحين يختفى ولا يعود يظهر ، تبكى ، وتظل فى الكوخ نائمة لأيام ، تأكل الأشياء التى يضعها الناس فى الكوخ ، ثم تعاود النوم .

 

وفى ليلة ، كانت السماء صافية ، والبحر راكد الموج ، حين دخل إليها رجل ، رأته واقفا أمام باب الكوخ ، ثم رأته يقترب ، لم تكن تسمع ، كانت تفكر فى الموج الذى لا يتحرك والغيوم التى لا تجئ ، والأمطار البعيدة .. حيث هو ..

مال الرجل عليها ، لم تنظر إليه ، كانت تنظر بجنب عينيها للرمال .. حبيباتها صغيرة .. جافة ..

وحالما لمسها ، صرخ منتفضا ، نهض متراجعا ، وما أن عبر الباب الكوخ حتى جرى بعيدا ، كانت راقدة ، تعسة ، تفكر . لم تعرف أبدا أن الرجل الذى فر الآن قد جُن ، وأنه ظل يهلوس لأيام عن المرأة التى لها ملمس الماء . والتى ما إن تقترب منها حتى تشرف على الغرق ، وأنه فى النهاية رقد فى بيته ، كارها رؤية الماء ومذاقه حتى مات .

المزيد


قصة قصيرة ..

ديسمبر 31st, 2005 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

الراحة النفسية لبائع الفاكهة

 

 

 

.. لأنه كان لابد أن يشعر بالاضطراب ، فقد شعر بالاضطراب … وعندما ناول كيس الفاكهة للمشترى ، لم يتناوله ، ونظر إلى الفاكهة فى دهشة . ظل بائع الفاكهة باسطاً يديه بكيس الفاكهة ، فتضاعفت الدهشة على وجه المشترى ، حين نظر إليه وقال فى أدب بالغ إنه لا يريد خوخاً وإنما يريد موزاً .

ارتعشت عينا بائع الفاكهة وزاد اضطرابه …

- آسف . دقيقة … دقيقة !

ولكن المشترى رآه يملأ الكيس خوخاً وموزاً معاً فانصرف . التفت بائع الفاكهة فلم يره ولبث واقفاً قليلاً يرتعش بعينين نصف مغلقتين ، ثم ألقى الكيس على عربة الفاكهة ، أمسك رأسه .. وحرك شفتيه … … صداع … .

وكان مستلقياً على كرسى كمومياء خاوية العين ، عندما جاء زبون آخر ، وفشل فى أن يبيع له أى شئ . ثم بدأ – فى استسلام – يتأمل الفاكهة فى أقفاصها ، والمارة فى الشارع المزدحم فاشتدت وطأة الصداع ، وشعر فى نهاية الأمر برأسه يفرغ ، وكأن خيطاً من تريكو ينسحب من ثوب مطرز . ينسحب ببطء وألم .. حتى تفككت كل الأشياء وتشابكت . كان يمسك رأسه بكلتى يديه حين نهض فجأة ونزع أوراق التسعيرة المثبتة على كل قفص ، ثم فرد الغطاء القماشى على العربة ، ولفها بالحبال ومضى .

مشى فى سرعة ، ودخل حارته المظلمة لأن التيار الكهربائى انقطع منذ قليل ، فاصطدم بولد صغير ، ثم اصطدم بدراجة ، وعندما وصل إلى البيت ، رأى زوجته جالسة بجوار الباب وأمامها طبق البرتقال ، دخل فى غرفة وأغلق الباب ، فعادت الكهرباء . تنفس بارتياح وتناول حبات من الأسبرين ، شعر بهدوء نسبى ، فنظر إلى وجهه ، ووضع يديه على جبهته …

… آآآه ه ه … ه ه … .

كان يشعر بالألم ولكنه تأمل نفسه مرة أخرى ، نزع الطاقية من على رأسه ، ومسح بيده الأخرى على شعره ، رأى الأثر الذى يحدثه لبس الطاقية لمدة طويلة … فأعاد تسويته . حدق فى وجهه طويلاً ، ثم تحسس أنفه … ضغط عليها وراقب استجابتها ، عندما تسللت أنامله إلى عينيه ارتبكت الرؤيا لأن أصابعه كانت تبدو ضخمة فى عينيه فأبعدها .. هبطت أصابعه إلى حيث شفتيه وشدهما فتحركت شفتاه كقطعتى مطاط ، تحسس شعيرات ذقنه البارزة وابتسم .

هكذا انتهى من معاينة وجهه فى المرآة ، أو هكذا تصور بائع الفاكهة لأنه لم تكن هناك أية مرآة على الإطلاق ، فقط حائط من طوب بارز ، عندها التفت بصورة خاطفة ، ورفع رأسه إليك أنت أيها القارئ بينما تقرأ ، مشى باتجاهك واقترب بوجهه كمن يقترب من عدسة سينمائية فيملأ وجهه كل الكادر ، فتح فمه …

- لماذا تنظر إلى هكذا !

عندما تكلم وهو ينظر فى عينك مباشرة ، كان بإمكانك رؤية أسنانه ولسانه وحنجرته ، استمر ينظر إليك وإذا بك تفاجأ بإبهامه يصعد فجأة أمام وجهه ، يوجهه إلى عينيك …

- مَن هناك ؟! لا أحد هنا .. هه ..

ظل بائع الفاكهة واقفاً يحدق كتمثال ، ولكنك ربما لا تعرف أنه فى هذه اللحظة أحس بالصداع يشطر دماغه :

أنت مصاب بصداع فظيع أيها البائع أليس كذلك – نظر بائع الفاكهة حوله وفوقه ليرى من أين يأتى صوتى !!

يمكننى أن أبدأ بالاعتذار ، إذن سأعتذر عن هذا الاضطراب الذى أصابك ، إن كل ما كنت أريده هو أن تعود مبكراً فقط ، ليتسع لنا الوقت للتفكير .

ولكن بائع الفاكهة نظر إليك أيها القارئ مرة أخرى ، وحيث أنه لم يكن متأكداً من وجودك أصلاً ، فقد اخذ يدور حول نفسه موشكاً على الجنون ، لذلك كان ينبغى علىًّ التدخل :

أنت الآن يا عزيزى البائع معى فاطمئن ، علينا أولاً أن نتجاوز كل هذا الوقت من الدهشة، الدهشة العادية ، ولنباشر عملنا …

وضع بائع الفاكهة يديه على خديه وتمتم بصوت مخنوق ..

- ماذا يحدث لى … !!!

لا تبك من فضلك ، هذا هو السؤال الذى أردتك أن تسأله ، أنا أتحدث إليك لأجعلك تفكر … لنفكر سوياً معاً …

- أفكر ! .. فى أى شئ !!

ها أنت قد بدأت تستجيب دائما يبدأ كل شئ عندما نتساءل فيم نفكر .. ولكن لا ترتعش … لا ترتعش هكذا …

- أنا أرتعش ! … آه … أرتعش … ولا أفهم أى شئ … صداع … !!

سأفسر لك حالاً ، سأفسر لك أنا ..

أنت كنت تقف أمام عربتك وتبيع فاكهتك …

- نعم …

لا … تقاطعنى من فضلك ، ثم جاء إليك زبون وقال لك أريد موزاً ، ولكن فى ذات اللحظة، كانت عيناك على أول الشارع ، كنت تتوجس من ظهور عربة البلدية ، التى – ودائماً – ما إن ترها قادمة من الشارع وفى داخلها ضابط ينظر إليك مباشرة حتى ترتجف وتحمل أشياءك على العربة بسرعة خاطفة ، ثم وبكل قوة تدفع العربة أمامك وتجرى بأقصى ما تستطيع لتخفيها فى الشارع الجانبى .

ثم – انتظر قليلاً – هذا إذا كنت بالفعل استطعت أن تحمل أشياءك داخل العربة وتفر بها ، إذ كنت تفكر فى أنه ربما وأنت تزن للزبون الموز ، ستجىء عربة البلدية من خلفك تماماً ، ومن حيث لا تدرى ستجد العساكر منتشرين حولك والضابط يتقدم إليك مباشرة وفى عينيه شر . هذا الشر ستحسه تماماً عندما يدفعونك لركوب عربة البلدية بمصاحبة عربتك وأقفاص فاكهتك ، ستشعر ساعتها بإحساس فأر داخل مصيدة ، وستنظر إلى مكانك الخالى وتبتئس . كنت تفكر فى كل ذلك ، وعندما امتدت يدك إلى الموز – كما كنت تريد – لتزن للزبون ما طلبه فالواقع أن يدك لم تقترب من قفص الموز وإنما بدأت تلتقط حبات من قفص الخوخ ، والسبب فى ذلك زوجتك …

-    زوجتى …

-    نعم زوجتك …

-    آآه … الصداع لا يرحمنى ….

جلس بائع الفاكهة الآن على الأرض ، أو بصورة أوقع ، ترك نفسه ليسقط على الأرض وأمسك رأسه بكلتا يديه وهو يئن …

-    آآه … الصداع لا يرحمنى ….

المزيد


قصة قصيرة ..

ديسمبر 31st, 2005 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

حــيرة الكــائن
 

 

كان العجوز نائماً ومات .

خرجت روحه وهامت فى الحجرة ، كانت من تلك الحجرات التى لا يتغير فيها شئ لسنين طويلة ، فقط الأشياء التى تساعد باعتبارها مكانا للنوم . كان على الروح الآن أن تخرج من المكان نهائيا إلا أن الأمر فاجأها تماما : الحجرة مغلقة بصرامة …

أخذت تحلق فى كل الأرجاء ولم تعثر على أى مخرج ، توترت ، حاولت أن تتلوى وتنسل من تحت عقب الباب ، لم يجد ذلك ، بدأت تنحشر فى الثقوب المنتشرة بالحوائط باحتمال أن تفضى إلى الخارج وفشلت . أخذت تتخبط فى الجدران تحاول كسر الباب . كلما مر وقت تزداد هياجا وتحاول بعنف فترتد خائبة . حامت الروح حول جسده الراقد ، وانضغطت بين عظمتين بارزتين فى مكان التحام الرقبة بالصدر ، كانت تفكر فى وسيلة ما ، وكانت الأفكار تمر أمامها واحدة فأخرى . زفرت بصوت غريب وانخطفت فجأة وتشظت فى أنحاء الحجرة تمسحها مسحا .

قررت أن تخرج وخطر لها أن تعود لجسده حتى ينهض ويفتح نافذة أو ربما الباب ، تلفتت بعصبية فى أنحاء الحجرة التى بدت لها فى نهاية الأمر قلعة محكمة الغلق . جلست الروح على قمة أنفه وراحت تنظر لوجهه وكان مغطى بنمش بنى يتكاثف خلال تجاعيد الجلد ، ويندر فى مناطق أخرى يكون الجلد فيها مشدودا وتبرز فيه العظام . تطلعت إلى فمه كان مفتوحا جافا .

* * * * *

العودة للجسد كان شيئا بعيدا لكنه كان حلا وحيدا ، ورغم ذلك لم أكن متأكدة من جداوه ، ولم أقرر أبدا أن أسال ولو مرة واحدة لماذا فعلته ، إنه شئ أشبه بمن يدخل بمطلق إرادته سجنا . الجهد الشاق أثناء ذلك ناتج من اكتشافى أن الجسد – بعد خروجى – قد ضاق كثيرا ، بدا الأمر كفردة حذاء أهملت لوقت طويل ثم عادت تستخدم مرة أخرى .

إلى جانب ذلك فإن قدرا من المعافرة الرهيبة كان لازما للتوغل حتى أطراف الجسد ، وتحسس المواطن القديمة ، كان هناك دائما ، افتقاد للائتلاف العادى . دون ذلك بدا كل شئ يسير نحو الاستقرار .

كنت أوشكت على الانتهاء عندما سمعت شهقته ، كانت طويلة وعميقة ، اندفع فى أثرها تيار من الهواء إلى الداخل ، انتفض جسده وفتح عينيه لحظات ثم أغلقهما مرة أخرى ، الآن عاد صوت تنفسه منتظما وبدا أن جسده يتيح لى بصعوبة راحة نسبية .

* * * * *

سمع العجوز صوت عقارب الساعة – دون أن يفتح عينيه – تدق بانتظام ، كانت وسط بعثرات عديدة على المائدة بالقرب منه ، سلسلتها الطويلة تلتف كثعبان حول الأشياء ، وتتناثر حولها قشور صدأ أتى على كل حديدها تقريبا ، وكانت المائدة الخشبية تضخم صوت العقارب المتحركة الذى بدأ كقرع على طبلة ذات جلد سميك .

فتح عينيه ولبث يحدق فى السقف ، دار بعينيه فى الحجرة دون أن تطرف ، نهض منصتا للطقطقات التى بدأت تنبعث من جسده ، شرب جرعة ماء وبينما يشرب فكر فجأة أن يخرج .

جلس إلى المنضدة وتنفس بهدوء ، فكر فى اليوم وبدأ فى تذكر مشاوير كان قد رتبها من قبل ، ولم يستطع ترتيب خيوط مشوار واحد ، كانت تختلط فى دماغه . وطرأت عليه مرة أخرى فكرة أن يخرج فقط . قرب رغيفا جافا وكسر قطعة صغيرة ، وكسر قطعة أخرى وتحول الرغيف إلى فتات صغير متباعد .

كانت الروح فى حالة من الرهافة والسكون ترقب عينيه وأعضاءه ودماغه والأفكار التى تدخل وتخرج ، تراه يذرع الحجرة جيئة وذهابا ، يتوقف أمام الباب ويسأل نفسه : أخرج الآن … إلى أين ؟ ثم يعود يمشى مفكرا .

كان واقفا يرتعش فى حيرة وكانت الروح تراقب كل شئ وترى حاله .

* * * * *

غمرته الشمس بعد أن خرج وبدأ يمشى مبتعدا . كانت الشمس تضايقه حتى أنه لم يقو على فتح عينيه . انحرف إلى ظل أشجار قريبة فمنحته وقاية كافية . انتظرت الروح بتثاقل . كان يتجه للنهر وبدا لها مكانا مناسبا جدا لميتة عادية .

توقف بموازاة الشاطئ وخلع ملابسه ، ركنها عند جذع شجرة .

* * * * *

أراه الآن يندفع تجاه الماء بسرعة ولهفة ، كرجل يرتمى فى حضن امرأة لم يعرفها قط ، بل ويجهل أعماقها وأسرارها وما

المزيد


قصة قصيرة ..

ديسمبر 31st, 2005 كتبها محمد زهران نشر في , قصصى

 

فـــردوس

 

فى هذا الشارع ضحك الناس حتى دمعت أعينهم ، لأن البقال استمر يصرخ لفتاة قصيرة وبالغة النحافة تقف أمامه ، لمجرد أنها تباطأت فى جمع مشترياتها ووضعها فى كيس ، ولأنه يكره أن تظل واقفة طويلاً أمام المحل ، حيث لا أحد يرغب فى رؤية وجهها بالغ القبح .

كان شيئاً مسلياً ، لأن الناس فى هذا الشارع ببيوته القديمة باهتة الطلاء ، يفتقدون البهجة ، لذا فقد ضحكوا بملىء وجوههم البائسة ، كنت تستطيع أن ترى النسوة على عتبات البيوت يضحكن من الأعماق . والرجال الذين يدخنون الشيشة فى الشارع يهزون رؤوسهم واضعين قدماً على قدم، حتى الشرفات القليلة المتناثرة امتلأت بالشباب والفتيات الذين استيقظوا تواً وعلى وجوههم سيماء النوم ، ورغم أنهم يفضلون النوم لأوقات متأخرة ، فقد استيقظوا حتى لا يفوتهم هذا المرح النادر . ورغم أن الفتاة لملمت أشياءها ومضت باتجاه بيتها فقد أخذوا ينظرون جميعا إلى مشيتها المرتبكة ووجهها الذى يكاد يخفيه إيشارب ملون وواسع ، حتى البقال الذى كف عن الصراخ شاركهم الضحك وهو يرمق الفتاة تبتعد …

هكذا نصب الناس فى الشارع شبكة من النكات الرائعة كانت تتحرك بسرعة وبهجة طلقات نارية بين الشرفات والمحال وعتبات البيوت ، فيغرق الجميع فى ضحك لا حدود له …

 

كانت فتاة تدعى فردوس . شعرت بآلام فى كتفيها حين صرخ البقال فى وجهها فاضطربت وغشى وجهها احمرار شديد ، نكست رأسها واعتذرت له بصوت منخفض مرات كثيرة وهى تجمع مشترياتها … ولكن الأشياء تساقطت من بين ذراعيها ، فضج الشارع بالضحك ، أصابها ارتباك شديد فعاودت جمع مشترياتها وهى تنظر للبقال بعينين تبعثان على العطف ، وبعد أن فرغت مشت باتجاه البيت . ورغم أن البيت على بعد خطوات قليلة فقد بدأت تفكر حائرة فى أن الباب لا يريد أن يقترب .

ما أن دخلت حتى أغلقت الباب ووقفت تلهث دافعة بأكبر كمية من الهواء إلى رئتيها آملة أن يتوقف ذلك الألم فى كتفيها ، رفعت رأسها ففاجأتها أمها واقفة بعصبية ظاهرة تحكم ربط الطرحة على رأسها ، لم تتكلم ورأتها تندفع خارجة .

أنصت فردوس للصمت الذى خيم فجأة على الشارع ، بدا وكأن كل النكات التى تحلق فى الهواء قد ارتطمت فجأة بالأرض . ظهر صوت أمها عالياً جباراً ، سمعت فردوس شتائم بذيئة جداً وبدا صوت البقال مخنوقاً لا يكاد يسمع ، شعرت بشىء فى حلقها ورغبة قاهرة فى البكاء .. عاد الصمت مرة أخرى ، وبعد قليل دخلت أمها بوجه ينفجر بالاحمرار كانت جالسة منزوية تعبث فى أصابعها . رأت أيضاً بعض النسوة من الشارع يدخلن معها وهن يهدئنها ، عاودتها الرغبة فى البكاء حين رأت الجارات يسلمن عليها وهن ينظرن إلى وجهها مأخوذات . بعد أن خرجن نظرت إلى الأرض وتجنبت النظر إلى أمها ، كانت تسمع أنفاسها عميقة وساخنة . بعد قليل حدثتها فجأة فنهضت بجسدها الضئيل فى استسلام ، كان صوتها واضحاً وحازماً ، كان على فردوس الآن أن تخرج مرة أخرى إلى ذات البقال لتشترى لأمها أقراصاً من الأسبرين ، ترددت قليلاً إلا أنها لم يكن بإمكانها التراجع أمام عينى الأم . خرجت ومشت ببطء ، أحست بصمت الشارع يعود مرة أخرى فاضطربت وعاودها ذلك الألم الرهيب فى الكتف ، وحين وقفت أمام البقال لم ينظر إليها ، أخرجت صوتها بصعوبة فناولها الأسبرين صامتاً .

حين عادت أغلقت الباب وشعرت بجسدها الضئيل ينهار وبأنها غير قادرة على حمله فدخلت حجرتها وأغلقت الباب .

* * * * *

استيقظت فردوس فى اليوم التالى أرادت أن تنسى كل ما حدث برمته ، ابتسمت فجأة حين تذكرت أن ذلك يتكرر دائماً ومع أشخاص عديدين ، فكرت أيضاً أنها تنسى كل شئ بسرعة تدهشها ، إلا تلك المرات القليلة التى تعرف بها أمها – مصادفة – فيتعقد كل شئ كما حدث بالأمس . تذكرت أن أمها لم تحادثها طوال الأمس أيضاً ، عرفت أن ذلك سيظل عالقاً برأسها وباعثاً على الألم لأيام قليلة . اقتربت من النافذة وواربتها ظلت واقفة تنظر إلى نافذة البيت المقابل ثم إلى مدخل البيت ، لم يمر وقت طويل حتى رأته يخرج ، كان شعره مصففاً لامعاً ، وقف وأشعل سيجارة ، فاستطاعت أن تتأمل وجهه لأطول وقت ممكن ، فكرت فى أنها لسنوات ظلت تنظر إليه كل يوم ، وأنه ربما لا يعرف حتى اسمها ، أغلقت النافذة مرة أخرى ، تحسست وجهها بيديها .. وابتسمت فى ضعف ، سرحت قليلاً وقالت إنها كلما رأته تشعر بسعادة لا حد لها … وأن روحها فى الداخل يغمرها مرح ، قالت أيضاً إنها تراه كل يوم وذلك يكفيها تماماً .

كانت أمها قد استيقظت أيضاً . جلسا يأكلان فى صمت ، أحست بعينى أمها رائقتين ، يخفيان حزناً فآلمها ذلك ، نظرت إليها وراقبتها تأكل فى هدوء ، التفتت أمها وحين رأت وجهها الصغير يبتسم ابتسمت أيضاً ، بعد قليل ضحكا يصوت مرتفع ، اقتربت منها وأمسكت كتفيها …

-    … ما زالا يؤلمانك …. ؟

-    نعم … قليلاً …

أخذتها بين ذراعيها فشعرت فردوس بدفء جسدها ، إلا أنها وفى الوقت نفسه لم تستطع أن ترى عينى أمها تلمعان ، كل ما شعرت به رغبة هائلة فى البكاء وهى ملتصقة بهذا الجسد ، تدافعت الدموع إلى عينيها وبدا أن جسدها بأكمله يفتح طرقاً متسعة دافعاً بكميات هائلة من الماء إلى عينيها ، ولكنها وفى اللحظة المناسبة التى أحست فيها بتقديس لهذا الدفء ، وهذا الجسد الضخم الذى يحتويها فى رفق قررت ألا تبكى .

قررت أن تذهب للعجوز فى كشكه ، دائما تذهب إليه حتى بعد أن أنهت دراستها ، ودائماً يبدو لها هذا المكان القصى مكاناً أميناً للحديث والبكاء ، خرجت وهى تشعر بجسدها مشبعاً بكمية هائلة من الماء ، ذلك الذى تعودت فى كل مرة تقف فيها أمام العجوز أن تتركه ينساب فيغرقها حتى لا تعود قادرة على تبين ملامح وجهها ، عبرت الشارع وأبهجها أن مرت هكذا دون أن يشعر بها أحد ، وفكرت فى أنها من المرات القليلة التى يتركونها فيها تمضى لحالها ، غشيها هدوء ونقاء وهى تتأمل الشوارع والناس التى تمشى والسيارات التى يتصاعد ضجيجها ، تلفتت فى كل اتجاه ، وأحست أن الشوارع – رغم قذارتها – تشع طيبة وألفة ، رأتها تتفرع إلى شوارع أضيق ثم إلى حارات وأزقة تمتلئ بالبشر ، دائما تتفرع بانسيابية ككائنات تحاول العيش أيضاً . رأت سرباً من الطيور فتوقفت وتأملته يرسم خطاً مرنا يقطع السماء .

كان السرب قد اختفى ولكنها استمرت تنظر إلى السماء الخالية المشوبة بزرقة ، تذكرت حين كانت تخرج من المدرسة ويمر مصادفة هذا السرب فتتأمله غائبة ، أحياناً كانت تراه واقفة أمام كشك العجوز فيرفع عينيه معها ويتأمله ، وتفاجئه دائماً ، حين تراه ما يزال ينظر إلى السماء بعد مرور السرب ، كان ينظر طويلاً فكان بإمكانها رؤية أدق تفاصيل وجهه العجوز . رأت الكشك على الرصيف المقابل للمدرسة ، فاتجهت إليه ووقفت أمامه مباشرة ، كان العجوز منحنياً يعبث فى أشياء ، رفع رأسه ورآها …

- فردوس …. !

وكعادته صافحها وانحنى مقبلاً يدها .

بدأ العجوز يتكلم ، فنظرت إلى وجهه وتأملته فى سحر ، أحيانا كان يتهيأ لها أنه وجه طائر أبيض يتلفت ويرمش بعينيه ، وأحيانا أخرى كانت تشعر بضوء خفى ينبعث من عينيه حتى لا تعود قادرة على النظر إليها … صمت فجأة .

- آآه … لم تأتِ بالأمس .            

نظرت فردوس إلى الأرض فتجهم وجه العجوز … أمسك يدها …

- تكلمى ، دعى كل شئ يخرج …

وعندها … عندما يقول العجوز لها ، دعى كل شئ يخرج … تفتر مقاومتها ، تنفجر فى البكاء وتحكى … تظل تحكى غير قادرة على إيقاف الدموع .. يستمر ذلك قليلاً والعجوز منصت ينظر إلى عينيها ، أحياناً يهمهم لها …

-    ابكِ … هل اكتفيت … لا … ينبغى أن يخرج كل شئ …

وحين تنتهى يكون قد خرج كل شئ ، فتكف عن البكاء . أدخل العجوز يده فى برطمان زجاجى رأته يخرج قطعتين من حلوى الكرامل بطعم القهوة التى تحبها …

-    قطعتان … لم تأت أمس … ضعيها فى فمك .

ضحكت فردوس ، فبشّ وجه العجوز وتألقت عيناه ، وضعت الحلوى فى فمها .

-    أنت طيب .

نظر العجوز إلى الأرض ، ثم أمسك يدها مرة أخرى وقبلها .

-    آه … أنا لا أملّ من تقبيل هذه اليد …

تذكرت فردوس أنه كان دائماً ما يقبل يدها هى فقط دون زميلاتها ، فغمرها شعور بالامتنان والراحة ، انتبه فجأة .

-    آه . كدت أنسى . أمينة تسلّم عليك .

-    هل زارتك فى الحلم مرة أخرى ؟

-    أمينة دائماً تزورنى ، خمسون عاماً معاً ، كيف لا تزورنى .

-    وإذا انقطعت عن زيارتك ؟

-    آآآه . انقطعت مرة أو مرتان ، فكنت أشعر بالتعاسة فى كل مرة ، وحين تتأخر أذهب إلى قبرها وأعنفها فتعود … دائماً تعود …

ضحك بصوت مرتفع ، كانت تتأهب للعودة ، شكرته ، فتظاهر بالغضب ….

-    لا تشكرينى أبداً .

هزت رأسها ومضت فعاد صوته .

-    فردوس .                         التفتت إليه .

-        ……..

-    هل وضعت الكرامل فى فمك .

-        نعم .

-    … إذن … ابتسمى … كونى مبتسمة على الدوام .

كانت أمها ترقب عودتها خلف الباب ، وحين رأتها قادمة فى أول الشارع دخلت وجلست ساكنة . وفردوس التى كانت تقترب أحست أن الجميع ينظر إليها فى الشارع ، فكرت أن تبتسم ولكنها حالاً سمعت امرأة تضحك فى شرفة فوق رأسها تماماً فتوترت ، أسرعت فى مشيها وهى تنظر إلى الأرض ، عبرت خلف ظهرها مزحة قالها رجل على مقهى فأحست بكتفيها يؤلمانها مرة أخرى ، تمتمت داعية أن يقترب البيت وأن يمر كل شئ سريعاً ، كان عليها أن تجتاز أولاداً يلعبون بالكرة ، فمشت ببطء حتى تتحاشى الاصطدام بهم وهم يجرون ، إلا أن الأولاد وبمجرد أن رأوا وجهها صرخوا بصورة مفاجئة وتراجعوا جميعاً ملتصقين بالحوائط تاركين الكرة فى منتصف الشارع ، احمر وجهها تماماً أرادت أن تسرع ولكن ارتعاشه ما كانت تجبرها على المشى ببطء ، كان الباب مفتوحاً فدخلت ، أحست بالآلام تزول ورأت أمها جالسة تحدق فى الحائط ، شعرت بغضبها لأنها تأخرت ، فتصنعت المرح …

-    فكرت فى شراء مرآة … لا توجد مرآة فى البيت منذ وقت طويل .

حدقت الأم فيها فأكملت .

-    لا يوجد ما يمنع مرآة فى البيت – اقتربت منها ضاحكة – الايشاربات على رؤوسنا تبدو مائلة وغير منتظمة .

نظرت الأم إلى الحائط مرة أخرى ، ثم عادت تنظر إلى فردوس ، إلى جسدها الضئيل وحين لاح انكسار فى عينيها جاء صوتها حاداً …

-    لم تنظفى البيت اليوم ؟!

-    فعلت بالأمس .

-    ولكن … هذه الأتربة التى تتساقط من الحوائط .

انكمشت البنت .

-    فكرت فى أنه ينبغى إصلاح الحوائط .

-    وإذا لم نستطع إصلاح الحوائط … هل سيظل البيت قذراً …

نهضت ودخلت غرفتها …

لم تستطع أن تفهمها أبداً ، فى الوقت الذى تبدو فيه رقيقة تفاجئها هذه الحدة ، بدأت فى تنظيف الصالة من الأتربة ورقائق الجير التى تتجمع أسفل الحوائط ، بعد ذلك جمعت الأطباق المتسخة وحملتها إلى الداخل ولكنها تساقطت فجأة من يديها فأحدث سقوطها ضجة ، أنصتت ولم تسمع صوتها ، جمعت الأطباق وغسلتها وحين كانت تهم بدخول حجرتها سمعت صوتها كأنها على وشك النوم .

المزيد


التالي



سأحافظ على صلاتى لأكسب دائماً  وسأستغفر لنفسى دائما , لأننى أستحق الكثير من الاستغفار

ربما لمدى حياتى كلها .. لهذا أكتب  وأحلم بأن يحبنى الله - محمد زهران