سيـــدة المـــاء

قفز فى الماء ، فبدأ القارب يتأرجح بشدة .
تلفتت ولم تجده ، كانت تحدق ذاهلة ، ودون أن تشعر خرج صراخها عاليا حادا ، فانتبهت نوارس كانت تطير عاليا فى السماء والتفتت بأعناقها ، بدا الصراخ لاذعا مريرا ، له صدى ، كأنما يأتى من كل أنحاء البحر . كان القارب ما يزال يتأرجح بها ، وعادت تنظر كأنما تبحث عن شئ لا يرى ، نادت عليه مرات ، ثم عاودت صراخا بدا قادرا على دفع الروح فى أعماقها إلى الخارج ، خارت قواها فانهار جسدها فى قاع القارب ، وأخرج فمها أنينا متواصلا ومكتوما وهى تفكر مشوشة فى قوة غامضة جعلتها تنفلت من بين يديه وتتشبث بالقارب :
كانا سيقفزان متلاحمين . عاودها بكاء صامت ومستمر ، لم تكن قادرة على إيقافه ، بعد قليل تحركت زاحفة ومالت بعنقها فوق حافة القارب ، نظرت خلال الماء الشفاف … ورأت جسده الخامد يهبط ببطء إلى الأعماق ، وشعره الأسود الطويل يتماوج كأعشاب بحرية ، غامت عيناها وفكرت فى أشياء كثيرة ، أشياء مرتبكة يتخللها وجهه ، وأصوات النوارس والشمس والموج الهادئ ، نهضت وقررت فجأة أن تقفز ، ولكنها تراجعت وانكمشت فى قاع القارب مرتجفة .
* * * * *
لم تتذكر أبدا كيف عادت إلى البيت ، ولكنها تعرف الآن أنها نامت فى فراشها لأيام طويلة ، لم تشعر بأى شئ ، من حين لآخر كانت تفتح عينيها وترى رقابا مدلاة نحوها ، رأت وجها يشبه وجه أمها ، ووجها يشبه نورا أختها ، رغم ذلك ظلت غير متأكدة من أى شئ ، كان الخدر يأخذها للنوم سريعا . لكن لم يكن بمقدورها تذكر أنها وطوال هذه الأيام كلما رأت البحر انتابها هياج فأغلقوا الشرفة وأسدلوا ستائرها ، كذلك لم تعرف بصراخها المتواصل ولا بكمونها فى الفراش ، محدقة خائفة من شئ لا يرى ..
كان صباح هادئ ، كل شئ كان يقول لها إن هذا صباح هادئ وجميل ، نهضت ، وفجأة شعرت بآلام فى كل جسدها ، تجمدت فى مكانها ، لم يكن يغيب عنها أى شئ ، فكرت :
.. كنا فى القارب .. وأبحرنا … كان يمسك بيدى .. كنت أمسك بيده فى قوة ، ما كان يمكن أن أتركه .. ولكن يدى انسحبت فجأة ! أى شئ جعلنى أسحب يدى ؟!!
شعرت بدوار مفاجئ وبرأسها ثقيلا ، ولكنها عادت تفكر مرة أخرى فى أنه لم يصر ، وأنه فى النهاية ترك يدها .. ترك لها أن تختار . أزاحت الستائر ، فتحت الشرفة وتأملت البحر ، اندفع الهواء إلى الداخل مشبعا باليود ، وباغتتها الدموع ، كانت تهبط هكذا من دون بكاء ، قالت لنفسها إنها ستكف الآن ، جففت الدموع بوجه صلب وأغلقت الشرفة .
* * * * *
على مائدة الإفطار ، كلمات قليلة تصدر من الأفواه ، بدت لها بعيدة ، كانوا يرمقونها ، أحست بعينى أبيها تقول بغلظة : انسيه .. قد مات الآن .. وكانت عينا الأم تمتلئ بلهفة ، وحدها نورا كانت تنظر إليها بعينين لا تعبران عن شئ .
عادت إلى غرفتها ، فتحت الشرفة والنوافذ ، فتسلل صوت الموج ، تبعتها نورا ، دخلت بابتهاج واستلقت على الفراش …
- الهواء رائع اليوم .
- نعم .
كانت ما تزال تنظر إلى البحر ، والناس التى تمشى على الشاطئ ، كانت تعرف أن نورا ستتكلم الآن وتسأل ، انتظرت أن تسمع أى شئ ، التفتت ورأتها مستلقية شاردة تحدق فى السقف..
- نورا . أنت تفكرين ..
- … نعم .
- أعرف . كان يجب أن أقفز معه ..
- لا .. لم أفكر أبدا !
- ترين أنه … سيبدو شيئا رائعا كما فى رواية … أليس كذلك ..
أرادت أن تقول لها إن الحياة ليست رواية تقرأ .. إنها حياة ، ولكنها توقفت ، كانت تعرف أن نورا لن تفهم ، وأن صبية مثلها تهفو دائما إلى رومانسية الحياة ، فشعرت بخوف مفاجئ
عليها ..
كانت نورا فى أحضانها .. تبكى ..
- أنا سعيدة لأنك هنا ..
ارتديتا ملابسهما وخرجتا . قضيتا طيلة النهار فى التنزه ، كانتا تضحكان كثيرا يستقلان الباصات وتهبطان منها من دون هدف . جلستا فى حديقة ، أسندت نورا رأسها على كتفها ، فشعرت أن هذه الصبية تحبها أكثر مما تصورت . كانت الشمس تميل للغروب ، وسحابات قليلة تتحرك فى السماء ، نظرت نورا .
- أترين … هذه الأجواء … طالما قرأتها فى روايات ، الشمس .. شمس العصارى .. التى تميل للغروب ، المليئة بصمت ما قبل الموت ودفئه …
التفتت إلى ذلك الأفق حيث شردت نورا ، رأت الشمس تتجه ناحية البحر ، كبيرة متوهجة بالضوء ، تميل فى بطء لا يستطيع أحد إدراكه .
* * * * *
بالليل استيقظت ..
كانت تفكر فيه من دون رغبة فى أن تفكر ، يقتحمها دائما ، يغمرها بصوته ، نظرة العينين ، التفاتاته وابتسامه ، قالت إنه الحب ، ولكنها على نحو مفاجئ تذكرت أنه قد مات ، فبكت وشهقت بصوت مرتفع ، أدركت أنها لأول مرة تبكى موته ، فاستلقت على فراشها ، وعاودها مرآى ذلك اليوم ، رأت يدها تنفلت من يديه ، وجسده يتحرك هابطا إلى الأعماق ، بينما تقف مرتجفة فى القارب فصرخت باكية ، ارتفع صراخها وانتابها هياج وهى تتقلب فى فراشها ، تشد الملاءة وتقذف بالوسادات صارخة صراخا حادا وباكيا ، دخلت نورا وحالما رأتها بكت أيضا محاولة الإمساك بها ، دخلت الأم ، بدت كأنما انفجر قلبها فجأة ، أمسكتها هى الأخرى ، كانت تتلوى بين أيديهن ، صارخة . حين وقف الأب عند الباب ينظر بغضب ، سمعت شتائمه ، كان واقفا عند الباب ، عيناه حمروان ، يشتم .. ثم بعد ذلك لم تشعر بأى شئ .
فتحت عينيها ، كل شئ هادئ فى الحجرة المظلمة ، رأت ملابسها ممزقة ، خلف النافذة كان البرق يضئ كل وقت فيغمر الحجرة بالضوء ، ظلت مستلقية تنظر إلى الشرفة حين سمعت صوتا يتخلل صوت الرعد المكتوم اتسعت عيناها ، صوته … صوتا إنسانيا رخيما .. صوته هو .. كان خافتا .. كأنما يجئ من وراء جبال ..
هالة .. أنا هنا .. فى القاع يا هالة .. فى القاع ..
انقطع صوته فجأة ثم عاد واضحا نقيا ..
.. هل شعر بى أحد يا هالة .. هل شعر بى أحد ، غير الماء وبضع كائنات بحرية .. كان هبوطى رائقا جدا … وصافيا .. كورقة ملونة وجميلة .. لم تكونى معى ، .. وكان استقرارى فى القاع .. رقيقاً .. وهادئاً .. حاولت إعادة تلك الابتسامة الدائمة على وجهى … أن يكون لطيفا كعادته ، ولكننى لم أستطع .. تلفت حولى .. لم تكن هناك هالة .. راقدة فى القاع بجوارى .. لم تكونى هنا .. وبدأ جسدى يتآكل ويهترئ .. آآه .. كنت أراقبه يا هالة كنت أراقبه .. أرى ذرات صغيرة تنفصل كل وقت وتسبح فى المياه ، كان بمقدورى رؤية قطع صغيرة تنتشر فى الماء .. ثم تتفتت إلى دقائق صغيرة .. تروح وتجئ مع تيارات الأعماق ، لم تكونى .. هنا .. حين تلاشيت فى الماء ..
انفجر صوته
.. تلاشيت يا هالة .. تلاشيت …
كان الرعد يصرخ ، فصرخت هالة وظلت تحدق مرتجفة ، وحالما هدأت انتظم صوت تنفسها ، نهضت وتحركت ، تحركت فى بطء من يخضع لسحر غامض ، مضت باتجاه الشرفة وفتحتها ، نظرت إلى السماء ، رأت وجهه منقوشا فى السحب مقطبا وعينيه تنظران فى غضب ، لم يبد أنها بوغتت ، كانت تنظر إليه فى ضعف ، فى استسلام مهزوم ، أسندت جسدها على الحائط ، بدا لها وكأن كل أمطار العالم تسقط من وجهه ، عنيفة وحادة كسياط ، تجمدت فى مكانها فاغرة الفم ، بدت كإلهة مذعورة ، ترتجف تحت أمطار غزيرة ، مهيشة الشعر ، ممزقة الملابس ، يصرخ الرعد فى وجهها ، وتسقط الأمطار كأنما تجلد جسدها جلدا . وبكت كان ذلك حين رفعت ذراعيها إليه ، إلى وجهه ، ولكنه كان قد اختفى ، فتشت عنه فى كل مكان ولم تره ، عاودها الهياج عنيفا ، فاندفعت فى كل مكان ، تقلب الأشياء فى الحجرة ، ثم خرجت من البيت جريا ، انزلقت فى وحل الشارع ثم نهضت مرة أخرى وجرت باتجاه البحر .
وقفت على الشاطئ متلاحقة الأنفاس ، تلفتت حولها ولم تجده أيضا ، انتابها سكون غريب ، هدأ جسدها وتوقف رأسها عن الالتفات ، أرخت عينيها وابتسمت ، ثم مضت بخطوات بطيئة باتجاه البحر ، أخذت الأمواج ساقيها فاختفت ، بعد قليل لم يعد يظهر إلا رأسها وكتفاها .
صرخ الرعد فانقلبت الأمواج شديدة هائجة ، لم يكن بمقدور أحد رؤية أى شئ ، عادت الأمطار تهبط مرة أخرى ، غزيرة ، والسماء تومض ببروق متوالية ، كانت هناك ، على الشاطئ مستلقية على ظهرها تدفع الأمواج أقدامها ، تتنفس بخفوت ، بدا وكأن الأمواج قد لفظتها ، فتحت عينيها فى صعوبة ، استمر الموج يضرب أقدامها ، قويا رهيبا كسيوف لامعة ، يدفعها إلى السطح الأملس لرمال الشاطئ حتى ألصق جسدها بالرمال . أخيرا رأت وجهه فى رذاذ الماء ، رفعت رأسها قليلا ، ورأته يملا سطح البحر الرحب ، ووجهه يمتد إلى نهاية الأفق الذى لا يرى ، كان مبتسما .. عطوفا ، عيناه رقيقتان فشهقت باكية . أحست به يقترب ، كأنما يلمس جسدها ، غمرتها موجة فسمعت أنفاسه وأحست بدفء ذراعيه ، فغابت .
فى الصباح دخلت إلى البيت رائقة باسمة ، ملابسها ممزقة ومبتلة ، وآثار الرمال على جسدها ، كانوا جميعا واقفين ، نورا وأمها وأبوها ، لم تنظر إليهم ، مشت غائبة فى طمأنينة ، ببطء وهدوء ، ودخلت غرفتها ، لم تكن تريد أن ترى أحدا ، كانت ترغب فى أن تظل هكذا ، مستلقية فى الفراش ، تتذكر كل شئ كما لو كان حلما ، ولكنه لم يكن حلما . حين رأت أباها واقفا لم تلق بالا ، تركته واقفا وقالت فى نفسها : بعد قليل ستمضى الأشياء السيئة . استمرت مستلقية مسبلة العين باسمة ، ولكنه شد ذراعها وأنهضها ، فحدقت فى عينيه . عندما دخلت نورا وأمها كان يلوى ذراعها ويشتمها ، أحست برذاذ يخرج من فمه ، رذاذ مائى كريه الرائحة ، نتنا ، قالت فى نفسها : ابتعد ، ولكنه لم يبتعد ، نورا وأمها تبكيان لا تجرؤان على الاقتراب ، قالت مرة أخرى بصوت منخفض : ابتعد عنى .. أرجوك .
شعرت باختناق ، لم يبتعد ، أحست بسكون الموج فى الخارج .. سكون أشبه بسكون الموت ، فصرخت ، ورفعت يدها عاليا فى الهواء وهبطت بها ، هبطت بها كموجة قوية وحادة ، صفعته على وجهه ، فتراجع مذعورا ، بينما اندفعت خارجة من البيت .
* * * * *
….
- هالة ..
- نعم .
- أنا هنا ..
- وأنا هنا أيضا .
- كونى .. قريبة …
- أنا قريبة . سأظل قريبة .
هكذا هامت بوجهها على الشاطئ تحادثه باستمرار دون تعب ، تحب الأشياء كأنها هى ، تعشق البحر ، والسحاب فى السماء والمطر الذى يهبط رقيقا ، كأنه هو ، وتمضى هكذا فرحة تتألق الحياة فى وجهها ، لأنه أحبها دائما ، ولأنه يحبها الآن ، شعرت بالرغبة فى الضحك والبكاء معا وفى عناق كل الأشياء … كل الأشياء ..
هكذا كانت عندما عثرت بعد أيام من التجول على كوخ صغير بجوار الشاطئ ، محطما ، فأعادت بناءه ، أصلحت ثوبها وقررت أخيرا أن تبقى قريبة ، قالت فى نفسها : هنا ودائما ، فسمعت صوته يقول : هنا .. ودائما . ابتعدت عن البيت تماما ، وبدت لها الحياة على الشاطئ شيئا قريبا من روعة الحب ، فكانت تجرى على الشاطئ مهللة تقفز على الأمواج المتدافعة ، تغمر جسدها بالماء ، تتلاحم معه ، ثم تعاود العبث بالماء وتخرج من البحر مبتلة ، تمشى على طول الشاطئ ، أحيانا يأخذها المشى بعيدا ، فتصل إلى صخرة يضربها الموج ، تجلس وسط الماء وتريح رأسها على الصخرة وتنام .
وتتأمله بالليل حين يطفو وجهه على سطح البحر ، أو فى السماء وتكون مقفلة بالسحب فتصرخ كصوت رعد وتضحك ، ثم تجلس طوال الليل مقيمة ركبتيها ، تنظر باسمة . وحين تهب رياح شديدة ويرتفع الموج إلى أقصى مدى ، هادرا كجبال ، يكون الشاطئ خاليا ، ويتناثر رذاذ صوته بين رذاذ الأمواج ، تسمعه يقول : هالة .. ارقصى .. ارقصى ..
فتأخذ فى الرقص وتميل على إيقاع صوته ، يلين جسدها ويتناغم مع حركات الموج ، وشعرها يتطاير مع الرياح ، ساعتها تغنى ، غناء خافتا يشبه صوت الأعماق .
وحين يختفى ولا يعود يظهر ، تبكى ، وتظل فى الكوخ نائمة لأيام ، تأكل الأشياء التى يضعها الناس فى الكوخ ، ثم تعاود النوم .
وفى ليلة ، كانت السماء صافية ، والبحر راكد الموج ، حين دخل إليها رجل ، رأته واقفا أمام باب الكوخ ، ثم رأته يقترب ، لم تكن تسمع ، كانت تفكر فى الموج الذى لا يتحرك والغيوم التى لا تجئ ، والأمطار البعيدة .. حيث هو ..
مال الرجل عليها ، لم تنظر إليه ، كانت تنظر بجنب عينيها للرمال .. حبيباتها صغيرة .. جافة ..
وحالما لمسها ، صرخ منتفضا ، نهض متراجعا ، وما أن عبر الباب الكوخ حتى جرى بعيدا ، كانت راقدة ، تعسة ، تفكر . لم تعرف أبدا أن الرجل الذى فر الآن قد جُن ، وأنه ظل يهلوس لأيام عن المرأة التى لها ملمس الماء . والتى ما إن تقترب منها حتى تشرف على الغرق ، وأنه فى النهاية رقد فى بيته ، كارها رؤية الماء ومذاقه حتى مات .